مع انهيار شعبية أوباما في استطلاعات الرأي العام، وتصاعد التطرف اليميني ضده، قد تكون فرصته الوحيدة للفوز بفترة رئاسية ثانية في 2012، هي أن يخسر حزبه الأغلبية التي يتمتع بها في أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما معاً، في الانتخابات التشريعية التي ستجرى في نوفمبر القادم! ففي حال توافر اعتبارات معينة، قد يكون فوز الجمهوريين في الانتخابات القادمة، هو بداية انكسار حدة التطرف اليميني وعودة الروح لأوباما، وليس العكس.
ومن أجل تفصيل ما تقدم، لا بد من الإشارة إلى أن انتخابات «منتصف المدة»، أي تلك التي تأتي في منتصف السنوات الأربع لحكم الرئيس الأميركي، هي انتخابات تشريعية تجري فيها المنافسة على ثلث مقاعد مجلس الشيوخ وكل مقاعد مجلس النواب. وقد جرت العادة على أن يخسر حزب الرئيس بعض المقاعد في المجلسين في تلك الانتخابات.
وهي قاعدة لها استثناءات بطبيعة الحال، كان آخرها انتخابات 2002 التشريعية التي جاءت بعد عام واحد من أحداث سبتمبر، ولم يخسر فيها حزب بوش مقاعد، بل حصل على المزيد منها. لكن الانتخابات القادمة أشبه بانتخابات 1994 التي جاءت في منتصف الإدارة الأولى لكلينتون، حين كانت الحسابات كلها تشير إلى أن حزب الرئيس سوف يخسر الأغلبية، لا مجرد بعض المقاعد.
ففي الوقت الراهن، يوجد احتمال قوي لأن يخسر الديمقراطيون الأغلبية في مجلس النواب، بل وربما مجلس الشيوخ أيضاً. ورغم أن تلك النتيجة سوف يكون معناها معاناة لأوباما في العامين القادمين في تمرير أجندته التشريعية، إلا أن تلك المعاناة ذاتها قد تكون السبيل لإنقاذ مستقبله السياسي.
فأوباما جاء للحكم محمولاً على أكتاف حركة واسعة تضم قوى وتنظيمات عدة، كانت في أغلبها أكثر تقدمية بكثير منه شخصياً. وكان الأمل في الحقيقة في قدرة تلك الحركة، حال توليه الرئاسة، على الضغط عليه. لكن ما حدث أثناء الانتخابات نفسها لم يسمح بذلك، فتلك الحركة أيدته طوال الحملة دون مقابل.
ففي ذلك الوقت كان هناك مناخ عام بين التقدميين الأميركيين، مؤداه أن أميركا تغرق بالفعل، فوجدوا في «كاريزما» أوباما وإمكاناته إنقاذاً من سيطرة الجمهوريين على البيت الأبيض. من أجل ذلك جاء الرجل للحكم، دون أن يكون ملتزماً إزاء تلك الحركة بأكثر مما قاله عموماً في الحملة الانتخابية.
لكن أوباما بمجرد توليه، لم يكن مهتماً باستمرار عمل تلك الحركة من أسفل لأعلى كما كان الحال وقت الحملة الانتخابية، حتى لا يؤدي ذلك لخلق منظومة مطالب تتعارض مع أجندة الرئيس أو توازيها. ثم انخرط أوباما في تأدية وظيفته، وحقق بالفعل بعض الإنجازات بصعوبة بالغة، نظراً لتعنت الجمهوريين ورفضهم التعاون معه بالمطلق.
لكن ذلك التعنت نفسه كانت نتيجته المباشرة أن قدم أوباما تنازلات كبرى لليمين، صارت هي ذاتها سبباً في استياء قاعدته الأساسية وشيوع حالة من الإحباط في أوساط من حملوه للبيت الأبيض. ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يواجهه الديمقراطيون في انتخابات نوفمبر، هو أن يقبع المحبطون الديمقراطيون في بيوتهم يوم الاقتراع العام، فتحسم أصوات اليمين ـ المستنفر بشدة ـ النتيجة.
غير أن هذا اليمين المستنفر والذي سوف يعطي أصواته لمرشحي الحزب الجمهوري، قد كشف في الآونة الأخيرة عن أن قطاعات واسعة منه تتبنى مواقف مغالية في يمينيتها من ناحية، ويحركها الغضب أكثر مما يحركها مشروع سياسي واضح من ناحية أخرى.
فمن يتابع ما يجري في الانتخابات الدائرة، يجد انتقادات كثيرة من مرشحي ذلك التيار للأحوال الاقتصادية ولما يعتبرونه توسعاً «خطيراً» في الدور الحكومي، لكنك نادراً ما تجد بديلاً محدداً يتبناه هؤلاء سوى أجندة بوش الابن الاقتصادية، بدءاً من الخفض الضريبي ووصولاً لتقليص دور الحكومة في تنظيم الاقتصاد، وهي الوصفة المسؤولة أصلاً عن الكارثة الاقتصادية التي عانتها أميركا في نهاية عهده.
ومن هنا فإن فوز اليمين في الانتخابات القادمة وتولي رموزه مواقع المسؤولية، قد لا يكون نهاية العالم بالنسبة لأوباما، وإنما صفحة جديدة قد تعظم من فرصه وفرص حزبه مستقبلاً. فهي قد تكون إذا ما أحسن استخدامها، طوق النجاة بالنسبة لهم.
ففوز اليمين، وخصوصاً جناحه الأكثر راديكالية أو بالأحرى الأكثر تطرفاً، قد يضع ذلك التيار على المحك. فوقتها لن يكون بإمكانه مجرد توجيه الانتقادات أو تعطيل العمل كما فعلوا طوال العامين الأخيرين، بل سوف يكون عليه وهو في موقع الحكم أن يطرح البدائل وينفذها، الأمر الذي قد يعيد الدفة من جديد ليد أوباما مع حلول 2012.
وتلك ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك في التاريخ السياسي الأميركي. فبعد أن تولى كلينتون الرئاسة بعد انتخابات 1992، جرت أيضاً حملة يمينية شرسة، وإن لم تكن بضراوة وعنصرية تلك التي تجري ضد أوباما، وانخفضت فعلاً شعبية كلينتون وحزبه، وجرت انتخابات 1994 التشريعية في تلك الأجواء فحقق الجمهوريون انتصاراً كاسحاً، وفازوا وقتها بأغلبية مقاعد المجلسين لأول مرة منذ أربعين عاماً.
وأتى الجمهوريون وقتها بأجندة سياسية وفرضوها على البيت الأبيض، لكن أداءهم السياسي الذي بالغ في يمينيته أثار ذعر الناخبين، وهو ما استغله كلينتون بذكاء شديد، فارتفعت شعبيته وفاز في انتخابات 1996 الرئاسية بسهولة شديدة، حتى إن تلك الانتخابات وصفت حينئذٍ بأنها واحدة من أكثر الانتخابات الأميركية مللاً في تاريخ أميركا، لأنها خلت من القضايا ومن المنافسة أصلاً!
السؤال؛ هل سيكون أوباما بحنكة وبراعة كلينتون الذي استطاع بذكاء شديد أن يجعل خصومه يلفون بأنفسهم الحبل حول أعناقهم؟
