أضافت تجربتا إعصاري "جونو" و"فيت" في يونيو 2007 ويونيو 2010 مزيدا من الوعي في السلطنة بأهمية تنمية الحس العام بإدارة الأزمات والاستعداد لها قبل أن تقع، حيث يمكن استثمار الوقت استثمارا أمثل لتوزيع الأعباء وترتيب قواعد البيانات وتحديثها على نحو مستمر بشكل يجعل بلادنا جاهزة لمواجهة الأزمة في حال حدوثها بأسلوب علمي واع يجنب الوطن والمواطن والمقيم أضرار هذه المفاجآت خاصة إذا وقعت في أماكن بعيدة.
وتركت آثارها على حركة التجارة العالمية كما حدث في أعقاب حرائق روسيا التي قلصت من صادرات القمح الروسي واضافت أعباء قدرت بعشرات المليارات من الدولارات في ميزانيات بعض الدول المتضررة من قصور واردات القمح التي فوجئت بقرار موسكو وقف صادراتها حتى المتفق عليه منها.
وكان جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ قد بادر الى اصدار الأوامر السامية بتشكيل لجنة عليا على المستوى الوطني لإدارة التعامل مع الأنواء والظواهر الطبيعية والبيئية وما ينتج عنها ووضع آلية تكفل تحقيق الجاهزية التامة في مواجهة الاوضاع الاستثنائية التي تترتب على أي ازمة طارئة.
وإعداد مركز مجهز تجهيزا كاملا بأدوات إدارة هذه الأزمات بحيث يتم توزيع مخازن الاحتياطي الغذائي في مختلف محافظات ومناطق وولايات السلطنة إضافة الى اقامة المستشفيات وخدمات الطوارئ من إسعاف وأجهزة دفاع مدني وتأمين كافة القطاعات الخدمية والأمنية. ومن ثم فإن إتاحة القدرة على الانتشار السريع في الوقت المناسب هي الهدف الأول لجهات الاختصاص التي نهضت الى وضع أوامر جلالة السلطان المعظم موضع التنفيذ.
وفي هذا الإطار تم أمس بمبنى وزارة التجارة والصناعة التوقيع على اتفاقية لتقديم الخدمات الاستشارية لإنشاء مستودعات ومكاتب لإدارة الهيئة العامة للمخازن في بعض ولايات ومناطق السلطنة في الفترة القادمة.
وقد دأبت جهات دولية عديدة على التحذير من تقلبات مناخية اكثر سوءا في المستقبل مما يستلزم تنمية حاسة الاستشعار المبكر والاستعداد لكل طارئ ولعل أهم المخازن هي أرضنا الطيبة المصدر الأول للأمن الغذائي فحضارتنا قامت في الأساس على مهنة الزراعة وما يحيط بها من رعي وتنمية الثروة الحيوانية والسمكية لذلك فإن جزءا من الاستشعار المبكر يجب ان يتوجه الى الحفاظ على الرقعة الزراعية وزيادتها والاهتمام بالتوسع الرأسي في الانتاج الزراعي وخاصة القمح الذي كان محل الاهتمام الأول للجنة الأمن الغذائي التي عقدت أمس اجتماعها الرابع لهذا العام والتي تدارست ايضا تطورات المخزون الغذائي العالمي في ضوء حظر تصدير القمح الروسي وتداعياته على الأسواق العالمية.
ونظرا لأن الأزمات الخارجية لا يمكن التنبؤ بها في وقت مبكر أو التكهن بالمدى الذي ستسغرقه الأزمة ومدى توفر احتمالات بانفراجها أصلا لذلك يصبح الاعتماد على الموارد المحلية أمرا لا مفر منه حتى لو كان مكلفا فزيادة التكلفة لانتاج سلعة في وقت بعيد عن وقت الأزمة يعوض زيادات سعرية هائلة تحدث وكافة السلع الغذائية بمجرد حدوث اية ازمة في أي بلد مصدر للغذاء او في خطوط الملاحة أو في الظروف المناخية الاستثنائية.
إن الأمن الغذائي هو أهم اركان الأمن الشامل الذى يجب السعي الحثيث لبسطه على ربوع وطننا لأنه يتقدم كثيرا على احتياطيات الأمن الأخرى بصفته المصدر والمعين الذي بدونه تستحيل الحياة نفسها.
