تلفت الانتباه هذه الأيام كثرة المقترحات السياسية والمبادرات الفكرية، التي تقصد رد أو تخفيف كارثة الانفصال التي لم يبق عليها إلا بعض أيام. وتمت أخيراً إعادة فتح كثير من الملفات، والأهم من ذلك البحث الجدي عن مخرج أصيل يجنب البلاد ما ينتظرها من شر وكارثة.
ويلاحظ تزامن حراك سياسي مع مناقشات فكرية، تحاول جميعها تجاوز اليومي وما يحمله من اشتباكات في قضايا فنية وإجرائية، تبدو في شكلها الخارجي الحاد وكأنها سوف تنسف كل شيء، وآخرها على سبيل المثال، الخلاف حول منصب الأمين العام لمفوضية الاستفتاء.
ومن يتابع أجهزة الإعلام بأشكالها المختلفة وحوارات الإنترنت، يلاحظ انشغال السودانيين الواضح في كل مواضعهم الجغرافية ومواقعهم الفكرية والسياسية، بضرورة اللحاق بما تبقي من الوطن. فقد بدأ الشماليون يلمسون ـ حقيقة ـ جدية وقرب الخطر.
ولكن نجد بين الجنوبيين المزايدين ولهم الصوت الأعلى، والمترددين الراغبين في الوحدة ولكنهم يخشون «نقض العهود» الذي يتهم به الشماليون. وقد طرح البعض في الحركة الشعبية، العلمانية كحل يؤدي بالتأكيد إلى الوحدة.
وفهم بعض الإسلاميين أن ذلك يعني أن تطبيق الشريعة سيكون السبب في الانفصال. ولذلك برز سؤال المسؤولية: هل ستكون الحركة الإسلامية مسؤولة تاريخيا وأخلاقيا عن الانفصال مستقبلا؟ ومن الضفة الأخرى، طرح المعارضون ورقة عمل فكرية ودعوة لحركة سياسية أو لجبهة وطنية عريضة.
ويمكن اعتبار هذا الاهتمام والنشاط علامة حساسية متأخرة تسعي لخلاص ما من الأزمة المحدقة.
يخشى بعض الإسلاميين من تحميل الحركة الإسلامية في السودان خطيئة الانفصال في حال حدوثه.
وهم بالمناسبة يختلفون عن الإسلامويين الذين يرون الإسلام مجرد سياسة وحكم، على حساب أن الإسلام دين شامل، وهو دين وأمة. وهذا هو الجناح المتعصب داخل الحكم في السودان، ولا يري غضاضة في فصل الجنوب إن كان سيمثل عقبة أمام قيام دولة إسلامية «نقية».
ولذلك ليس من الغريب أن يأتي سؤال من داخل أسوار الحركة، رغم المراجعات محتارا: هل يمثل المشروع الإسلامي عقبة أمام الوحدة؟ (عبد الوهاب الأفندي) وقد سبق هذا السؤال اتهام «دينق آلور» خلال ندوة الأمم المتحدة في نوفمبر الماضي للمؤتمر الوطني، بأنه بسبب إصراره على تطبيق القوانين الإسلامية، جعل من الجنوبيين مواطنين من الدرجة الثانية.
وتساءل: لماذا أختار الوحدة مع حزب أو نظام يجعل مني مواطنا من الدرجة الثانية؟ ويعتبر كثير من الإسلاميين مثل هذا القول نوعا من المكايدة السياسية، حسب لغة الشيخ حسن الترابي، لأنه لم يحدث أن تم التعامل مع الجنوبيين ك«ذميين».
ولكن الجدل لم يتوقف، وكرر قياديون في الحركة الشعبية نفس القول بطريقة أخرى: إذا كان المؤتمر الوطني أو الشماليون عموماً يرغبون فعلا في الوحدة، فعليهم المبادرة بإلغاء قوانين الشريعة.
ورغم أن الذين سنوا أو فرضوا هذه القوانين اختفوا عن الساحة كأفراد أو تنظيم (الحركة الإسلامية المنظمة)، إلا أنها تجد من يدافع عنها بلا تحفظات على بعض الممارسات التي ظهرت لدى التطبيق.
في كثير من الأحيان يبدأ دفاع الإسلاميين عن الحركة الإسلامية، وليس عن القوانين الإسلامية، عن قصد أو عفوا، لا ادري. ففي النقاش الدائر الآن حاولوا أن ينفوا وجود أي ضرر من القوانين الحالية على غير المسلمين، وبالتحديد الجنوبيين.
وينطلق الإسلاميون من وجود شبه إجماع بين القوى السياسية على القوانين، ويبرهنون على ذلك ببرامج الأحزاب التقليدية الطائفية في انتخابات 1986. ولكن العكس هو الصحيح، فقد كان ذلك دليل اختلاف في التفاصيل والرؤى معا.
فالسيد الصادق المهدي وحزب الأمة تحدثوا عن برنامج الصحوة، والسيد محمد عثمان الميرغني والحزب الاتحادي الديمقراطي عن الجمهورية الإسلامية، وطالبت الجبهة الإسلامية القومية: بلا تبديل لشرع الله.
والدليل على الاختلاف عمليا بين هذه القوى، هو الخلافات التي استمرت خلال 1986-1989، وأقوى برهان على الخلاف انقلاب الجبهة الإسلامية في 30 يونيو1989 على حلفاء هم «دعاة لتطبيق الشريعة».
ومن المغالطات العظمي الادعاء بوجود إجماع حول القوانين الحالية، وقد جاء معظم النقد لهذه القوانين من داخل المعسكر الإسلامي. فقد قال وكتب فيها السيد الصادق المهدي ما لم يقله مالك في الخمر، وسبق له أثناء حكمه أن دعا علماء وفقهاء مسلمين لمناقشة ما كان يسمى «قوانين سبتمبر 1983».
فمسألة تطبيق بعض القوانين الدينية لم يتفق حولها مفكرون كثر في السودان من منطلقات إسلامية، وهذا يعني الاجتهاد الكامل، بالذات في المواد التي قد تمس وضعية غير المسلمين.
لا تسمح ظروف تطور السودان الراهنة، من النواحي السياسية والعقدية والثقافية، بإلغاء هذه القوانين، حتى التجمع الوطني الديمقراطي المعارض، لو وصل إلى السلطة لم يكن يستطيع إلغاء هذه القوانين.
وكل ما يمكن فعله هو مراعاة مشاعر وحقوق غير المسلمين، إذ من الممكن إلا ترد نصوص مباشرة لذمية غير المسلمين، ولكن قد تشعرهم بعض الممارسات بشيء من هذه الوضعية.
وعلى سبيل المثال، جاء في الأنباء، أن اللجنة العدلية في المفوضية الخاصة لمراعاة حقوق غير المسلمين في العاصمة القومية تشكل لجنة من المسلمين وغير المسلمين، لدراسة الزي الفاضح وتحديد الزي المحتشم توطئة لتعديل القوانين التي يتضرر منها غير المسلمين، في سياق الجهود المبذولة لدعم الوحدة.
وصرح سر الختم صالح على رئيس اللجنة العدلية بالمفوضية، أنه وجد أربع مواد ذات صبغة دينية ولا بد من تعديلها. وأكد أن هذا العمل يأتي في إطار تغليب خيار الوحدة في الاستفتاء المزمع إجراؤه في يناير المقبل (الرأي العام 27/8/2010).
يؤكد هذا الموقف أن الصراع في السودان ليس دينيا، بل هو سياسي، ولذلك من الخطأ التعصب ورفع شعارات حماسية بعيدة عن الواقع. ولكن هذه هي مشكلة ما يسمي بالأحزاب العقائدية في السودان، فهي تحاول إدخال الواقع في الأيديولوجيا أو الأفكار المثالية، مع أن المطلوب هو فهم الواقع والتاريخ أولا، ثم اختبار الأيديولوجيا وفق الواقع.
فالحركة الإسلامية من الواضح أنها لا تريد تحمل مسؤولية الانفصال، وفي نفس لا تريد تقديم تنازلات معقولة، علما بأنه لا يوجد من يطلب منها إلغاء شرع الله، كما يقول بعض المزايدين. ولكن المطلوب هو الاجتهاد الشجاع، وقد فعل بعضه الترابي، ولكن بعد أن غادر السلطة!
كاتب وباحث سوداني
ssc_sudan@yahoo.com
