من المؤكد أن الإعلان عن انسحاب الوحدات القتالية الأميركية من العراق وما واكبه من خطب وتصريحات للرئيس الأميركي باراك أوباما وكبار مسؤولي إدارته يشكل منعطفاً مهماً، جديراً حقاً بالتوقف عنده، كمنطلق للتساؤل عما يمكن أن يشهده العراق الشقيق في المستقبل القريب.

أول ما يلفت النظر في هذا الصدد هو أن عدداً من الباحثين والاختصاصيين الأميركيين المعروفين باهتمامهم، على مدار عقود بكل ما يتعلق بالشرق الأوسط، قد تسابقوا للإدلاء بتوقعاتهم، فيما يمكن أن نراه تحت آفاق العراق.

أبرز التوقعات في هذا الشأن هو ما شدد عليه معهد بروكنجز على لسان أحد باحثيه البارزين، من أن العراق قد يشهد حرباً أهلية في مدى زمني يدور حول خمس سنوات من الآن، وبرر هذا التوقع بأن عناصر الصدام بين القوى الاجتماعية والسياسية في العراق أكثر ثقلاً من عناصر التوافق والتحالف بينها.

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الشهير في واشنطن كان أكثر تفاؤلاً، حيث بادرنا إلى القول إن العراق قد يستغرق ما يتراوح بين خمس سنوات إلى عشر، قبل أن يشق طريقه إلى تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار.

صحيفة «وول ستريت جورنال» بادرت على لسان خبير معني بشؤون النفط إلى توقع أن العراق لن يقدر له أن يشهد الحد الأدنى من الاستجابة للمتطلبات العاجلة لأبنائه، خاصة في ما يتعلق بعناصر البنية الأساسية، لأنه سيشهد استمرارية لهدر الإمكانية، حتى على الرغم من أنه يحتل المرتبة الثالثة على مستوى العالم، من حيث احتياطيه من النفط.

وفي غمار المقارنات بين حرب العراق والحرب في أفغانستان، يسلم خبراء آخرون بأن بغداد حققت تقدماً ملموساً، مقارنة بما وصلت إليه كابول، لكنهم يشددون على أن الوضع في العراق يظل بالغ التعقيد، بحيث لا يوحي بالتفاؤل في المديين القريب والمتوسط.

هذا كله يستحق أن نقرأه، أن نستوعبه، وأيضاً أن نفهم ما يكمن وراءه، فهو يشكل الأرضية النظرية التي سينطلق منها، في وقت قد لا يكون بعيداً، من يقولون إن القوات الأميركية لابد لها من البقاء في العراق، وأن القوات الأمنية العراقية ليست وحدها كافية لضمان استقرار البلاد.

ليس من قبيل الصدفة أنه توجد الآن تحت آفاق العراق خمس وتسعون قاعدة عسكرية أميركية، يصل بعضها إلى تشكيل مدن صغيرة، والبعض لايزال تحت الإنشاء، حتى في الوقت الذي يشدد الكثيرون على أن القوات الأميركية كلها ستنسحب من العراق في نهاية العام المقبل.

الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى السياسيين العراقيين من هذا كله أكثر من واضحة، وهي أن عليهم أن يأخذوا مصير وطنهم بأيديهم، وان ينطلقوا قدماً ليجعلوا منه الوطن الحر والمستقل والسائر على درب التطوير والتحديث والتنمية وصولاً إلى المكانة التي يستحقها العراق وأبناؤه.

ليس مقبولاً أن يظل العراق تحت أقدام قوات الاحتلال إلى أن ينتهي النفط الموجود في آباره وحقوله ومكامنه.

ليس مقبولاً أن يترك بعض السياسيين العراقيين لأيد تمتد عبر البحار، أو لضغوط إقليمية، أن تشكل قدر العراق ومصيره، وهم يشاركون أو يتفرجون.

ورغم ملامح الصورة الراهنة والمقبلة، التي يرسمها الخبراء والاختصاصيون الدوليون، فإن عراق الغد هو الذي سيشكله أبناؤه، إذا عقدوا العزم، وقطعوا الشوط كاملاً في اعطاء وطنهم ما يستحقه من جهد وعناء وتضحيات.