في الوقت الذي تقلصت فيه المسافات بين الدول والشعوب نتيجة للتطور الهائل في وسائل الاتصال الحديثة، ومع زيادة الاعتماد المتبادل بين الدول نتيجة لتزايد الاحتياجات وعدم القدرة، من جانب أي منها، على سد كامل احتياجاتها بنفسها، فإن الاحداث والتطورات والكوارث الطبيعية وغير الطبيعية باتت تؤثر بشكل كبير وسريع أيضا في العديد من الاطراف المحيطة بمواقع حدوثها وعلى امتداد العالم أيضا.
وليس من المبالغة في شيء القول بأن الفترة الأخيرة التي شهدت سلسلة من الكوارث الطبيعية بدءا من الاحتباس الحراري وتأثيراته المناخية، وحتى حرائق روسيا والفيضانات التي اجتاحت مساحات واسعة من العالم من شمال الصين وشرق الهند مرورا بباكستان ووصولا الى موريتانيا، قد أظهرت بوضوح الحاجة الماسة ليس فقط لتوفير مخزونات واحتياطات من المواد الغذائية.
وفي مقدمتها الحبوب مثل الارز والقمح، ولكن ايضا توفير امكانية انتاج ما يمكن انتاجه محليا منها، خاصة وان الاشهر الماضية قد صاحبها ارتفاع كبير في اسعار الارز والقمح في الاسواق العالمية، والاكثر من ذلك تراجع بعض الدول المنتجة عن تعهداتها بالتصدير أحيانا لتضرر محاصيلها، وهو ما سبب مشكلات للدول المستوردة، حاولت وتحاول معالجته بشكل او بآخر.
ومع الوضع في الاعتبار أن دولا عديدة ومنها السلطنة عملت بشكل واع ومنذ سنوات طويلة على تكوين وتوفير مخزون غذائي كاف ومتنوع وقادر على سد احتياجات الاستهلاك المحلي لفترة غير قصيرة، الا ان الظروف والتطورات والاحداث باتت تحتم ضرورة وضع استراتيجية متكاملة لتحقيق الأمن الغذائي، ومباشرة تنفيذها، أو على الأقل الشروع في ذلك في اقرب وقت ممكن.
ومما له دلالة عميقة ان معالي مقبول بن علي بن سلطان وزير التجارة والصناعة اشار في حديثه في غرفة تجارة وصناعة عمان امس الاول الى ان حكومة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – تدرس وضع استراتيجية متكاملة لتحقيق الأمن الغذائي في البلاد، وهو ما سيناقش محاورها مجلس الوزراء الموقر.
ومع ادراك الاهمية الكبيرة لتكوين احتياطي غذائي كبير يمكن تجديده على مدار فترات محددة نظرا لان الغذاء، سواء كان حبوبا، أو مواد أخرى هو سلع قابلة للتلف وذات فترات صلاحية معروفة من الافضل استهلاكها خلال فترات زمنية محسوبة، فإن أمر تكوين الاحتياطي الغذائي والحفاظ عليه وتجديده هو أمر سهل نسبيا من عناصر أخرى شديدة الاهمية لاستراتيجية الامن الغذائي مثل الاستثمار في انتاج الغذاء بوجه عام وانتاج اكبر قدر ممكن من احتياجات الغذاء محليا بوجه خاص.
وإذا كان هناك من يتحدثون عن الاسواق المفتوحة لشراء السلع الغذائية، وعن وفورات الانتاج في مناطق اكثر تخصصا في انتاج الغذاء، وبالتالي عرضه بأسعار أفضل من تكلفة انتاجه محليا، الا ان الاحداث التي مر بها العالم، والمرجح تكرارها، من شأنها ان تدفع نحو التفكير بشكل اكبر في العمل على دراسة الاستثمار في انتاج الغذاء أو أنواع محددة من الحبوب في الخارج - أي في مناطق انتاج معروفة وجيدة وتحتاج الى استثمارات لاستغلالها، وقد بدأت ـ بالفعل دول عديدة في الاتجاه الى ذلك بدرجات متفاوتة.
اما الاتجاه الاخر الذي لا يمكن الاستغناء عنه او التقليل من أهميته، فإنه يتمثل في العمل على انتاج اكبر قدر ممكن من الاحتياجات الغذائية محليا. وهنا تحديدا فإن هناك حاجة كبيرة ليس فقط لتطوير وسائل الري وتحديثها، وقد سارت وزارة الزراعة خطوات كبيرة في هذا المجال، ولكن ايضا لزيادة المساحة المنزرعة وزيادة انتاجها باستخدام بذور جيدة وأدوات انتاج متطورة، فضلا عن تطوير الثروة السمكية في ظل المشروعات العديدة التي تنفذها وزارة الثروة السمكية على اكثر من صعيد.
ولان استراتيجية الأمن الغذائي تتطلب تعاون جهات عديدة فإنه من المهم والضروري تضافر كل الجهود لتأتي على أفضل صيغة ممكنة
