نكمل حديثاً بدأناه أمس عن مركز أبوظبي للتدريب التقني والمهني، الذي أصدر الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد قراراً بإنشائه في إمارة أبوظبي، فإنشاء هذا النوع من المراكز يأتي في الوقت الذي تحتاج فيه الإمارات للتركيز على تدريب الكوادر المواطنة حديثة التخرج، وغيرهم ممن أمضوا أعواماً في الخدمة دون أن يحصلوا على دورة تدريبية واحدة مجدية.

تضيف إلى رصيد خبراتهم، وهو ما ينتقص من كفاءة المؤسسات، بل وينبئ بتخلف قد يصيبها مستقبلاً، ذلك أن المجتمعات إن لم تكن قادرة على خلق طبقة اجتماعية متطورة علمياً وفنياً ومهنياً في الوقت المناسب.

فإنها تعلن أن الوارثين من الجيل اللاحق سيكونون في وضع يضطرون فيه لتجديد الامتيازات الخاصة بالشركات الأجنبية التي سيزداد الاعتماد عليها، رغم ثقة الجميع بأهدافها وتطلعاتها التي لا تتناسب مع مصالح الدولة في الاستقلال والاكتفاء الذاتي.

مرحلة التنمية الماضية استدعت الاستعانة بالخبراء الأجانب لتطوير بلادنا بسرعة، لكن الاستمرار بالأسلوب نفسه لا يمكن أن يحل مشاكلنا أو يلبي احتياجاتنا، إلا بالاعتماد على سواعد وطنية لا بد وأن تتحمل المسؤولية.

المراقب للتنمية السريعة التي حدثت في الإمارات، يمكنه ملاحظة استناد هذه التنمية إلى معطيات التقنية الحديثة، وهي التي تحتاج في المقابل إلى قوى عاملة فنية ومؤهلة لإدارتها وتطويعها للظروف المحلية.

ومن ثم تطويرها، وهو الأمر الذي لا يمكن الحصول عليه إلا من خلال مراكز تدريب تضم نخبة من المدربين الذين لا بد من برمجة عملهم وفق خطط تضمن تحقيق اكتفاء الإمارات من الكفاءات في مختلف التخصصات، فالعلم والمعرفة مهمان، إلا أنهما لا يغنيان عن الجانب المهني والمهاري وما يتطلبانه من تدريبات موسعة تصقل وتثبت المعارف.

النمو الاقتصادي مستقبلاً سيعتمد على الاستثمار في القوة العقلية التي لا تعد بقدر ما تمتلكه الدول من موارد طبيعية أو بما لديها من أيد عاملة، بل باعتمادها على قاعدة مهارات تسمح بتخفيض تكاليف العمليات الإنتاجية لأدنى مستوى ممكن وبأفضل جودة تتطلع إليها.

وفي هذا السياق سيكون لمخرجات التعليم والتدريب ذات المستوى العالي أهمية كبرى، لأنها ستكون محل تنازع عليها لأنها في ذلك الوقت ستكون الثروة الحقيقة لأية دولة.

فالعقول التي تحمل كماً هائلاً من المعارف، والتي يتاح لها التدريب لصقل مهاراتها، تصبح وعاء للقدرات العلمية والعملية مجتمعة معاً، دون اعتماد على عنصر دون الآخر، فلا خير في علم دون خبرة عملية، ولا خير في خبرة عملية لم تبن على علم.

فإذا كان المستقبل يتطلع إلى هذا النوع من الاستثمارات فلا بد أن تطمح مؤسساتنا إلى الإعداد للمشاركة في صفقات رابحة من هذا النوع، بالاستثمار في موظفيها الذين توافرت لديهم المعرفة اللازمة، فلا تبخل عليهم بدورات تدريبية تصقل مهاراتهم وخبراتهم، إذ لا يكفي أن يكون الموظف قادراً على أداء العمل المناط به.

ولكن يجب أن تتوافر فيه أيضاً القدرة المستمرة على التطوير والإبداع، وهو ما لا يمكن ان يتحقق دون تدريب ودون احتكاك بخبرات أخرى خارج نطاق بيئة العمل. هذا هو المأمول وما نطمح إليه.

maysarashed@gmail.com