كان الصيف، هذا العام، استثنائياً، بكل المقاييس، بمناخه الذي فاجأ الناس في غير منطقة من العالم.ففي روسيا التي تصل فيها البرودة، عادةً، إلى 40 درجة تحت الصفر، بلغت الحرارة، هذا الصيف، 40 درجة فوق الصفر. وهذا خرقٌ للعادة لم يحدث من قبل.
الأمر الذي سبّب حرائق هائلة وواسعة استمرت أسابيع، وأحدث خسائر فادحة في الأرزاق، وربما في الأرواح؛ ولولا تدارك المسؤولين، لكانت الحرائق وصلت إلى مراكز لإنتاج الطاقة النووية، وعندها كان يمكن أن تحصل الطامة الكبرى.
أما في باكستان فقد حصل العكس بالتمام، إذ الفيضانات أغرقت ودمرت وشردت، الأمر الذي تجسم في كارثة لم يسبق لها مثيل، أعادت هذا البلد المتأخر، أصلاً، سنوات إلى الوراء.
وفي المنطقة العربية سجلت درجة الحرارة ارتفاعاً لم تبلغه من قبل، وربما منذ عشرات السنين. هذا ما حصل في لبنان الموصوف أصلاً بمناخه المعتدل. فقد اجتاحته موجة من الحر القائظ امتدّت لأسابيع، ممّا أحال صيفه إلى جحيم لا يُطاق.
وإذا بقينا في هذا العام نفسه، نجد أنه شهد عدداً من الكوارث الطبيعية من العيار الثقيل: زلزال هاييتي الذي كاد يدمر عاصمة بلد بأكملها، ثم زلزال تشيلي الذي كان أيضاً مدمراً، ثم السحابة البركانية التي عطّلت حركة الطيران في بعض البلدان الأوروبية، فضلاً عن سلسلة من الاعصارات والفيضانات في غير صقع من أصقاع الأرض.
هل نقول بأنها ثورة الطبيعة ضد الإنسان أم انتقامها منه؟ كلا الأمرين وارد. لأن ما يحدث من تقلبات في المناخ قد يكون من صنع الطبيعة العمياء التي تدمر وتهلك، بقدر ما تفاجئ بطفراتها وتحولاتها. ولكن للإنسان، الذي يصف نفسه بأنه عاقل، يداً في ما يحصل من تدهور في المناخ، إذ هو يفسد ويخرب بأعماله وصنائعه، من حيث لا يحتسب ولا يقدر.
وذلك يشهد على قدرة البشر المحدودة على التوقع والتحكّم والبرمجة، في ما يخص الأحداث الطبيعية والتقلبات المناخية.
وما حدث هذا العام من كوارث ومآسٍ لم يتوقعها أحد، وما يحدث منذ عقود من تدهور في النظام البيئي، يسخر من مقولة ديكارت القائلة ان الإنسان سيد الطبيعة ومالكها، بقدر ما يثبت بأن البشر لا يسيطرون على الطبيعة ولا على أشيائهم، بل هم يكادون يفقدون السيادة على أنفسهم.فها هو الإنسان ينتج طاقة نووية، ولكنه لا يستطيع التنبؤ بمفاعيلها أو السيطرة على آثارها السامة والماحقة.
وهو قادر على أن يغزو الفضاء بمركباته وصواريخه، ولكنه عاجز عن تصريف نفاياته وفضلاته التي تلوث الأرض والسماء. كذلك فالواحد من الناس قادر بفعل التقنيات الرقمية أن يتواصل بصورة فورية، مع من يشاء وفي أي ساعة يشاء، وفي أي مكان من أنحاء الكرة، ولكن ما زال الإنسان أسير طمعه وتكالبه ونزواته وهواجسه التي تخلق العداوات وتفرّق البشر بعضهم عن بعض.
وهكذا فما يحدث من كوارث ومصائب يسهم البشر في صنعها، هو على النقيض مما تمّ التبشير به منذ عصر الأنوار، تحت شعارات العقلانية والتقدم والسلام، بقدر ما يفضح مزاعم البشر في التحكّم والسيطرة والتملّك والسيادة فيما يخصّ مجرى الطبيعة ونظام الأشياء.
والدرس الذي يستخلص من ذلك هو تخلي الإنسان عن ادعاءاته المركزية والنرجسية التي تجعله يتصرف بوصفه مالك الملك الذي سُخّرت له الأرض وما عليها. فالأجدى له أن يتواضع بحيث لا يتصرف بوصفه أشرف الخلائق، بل إحدى كائنات الطبيعة الذي عليه حمايتها والمحافظة عليها.
فهو جزء من كل طبيعي بيئي حيوي مسؤول عنه ومؤتمن عليه. ولا يبدو حتى الآن أن البشر يحملون المسؤولية ويؤدون الأمانة، إذ هم لم ينجحوا في اتخاذ إجراءات لمعالجة المُعضلة البيئية بصورةٍ فعّالة.
وفي حال عجزوا عن ذلك، تكون خشية الملائكة، من أن الإنسان يفسد في الأرض ويسفك الدماء، هي في محلها، بحسب ما ورد في الرواية والآية.
وهذه الخشية لا تساوي شيئاً أمام الرعب الذي يحدثه، الآن، في النفوس، امتلاك الإنسان أسلحة الدمار الشامل، والقدرة على التلاعب بالخارطة الوراثة للكائنات الحيّة، وما تخلّفه أعماله ومشاريعه من المخاطر والمصائب، تلويثاً وتصحيراً وتبديداً وارتفاعاً متزايداً في حرارة الأرض. فهل صار حتماً علينا أن ندخل في مجتمع المخاطرة وأن نتكيّف مع واقع الكارثة؟!
وممارسة التواضع، بوصفه اعتراف الإنسان بمحدوديته ومسؤوليته، تقتضي أن يمارس التقى فيما ينتجه ويستهلكه، بحيث لا يسرف ولا يبذر، بل يعتدل، ويقتصد، إن لم نقل يزهد، في مأكله ومشربه وسد حاجاته التي لا تقف عند حد. ولعلّ هذا هو القصد من وراء فريضة الصيام.
ولكن ما يحصل اليوم، في عصر الاستهلاك، هو العكس بالتمام، أي الشره والإسراف. بدليل ان المجتمعات الإسلامية تعيش حالة طوارئ مع قدوم شهر رمضان. إذ هي تقبل على تخزين المواد الغذائية كما لو أنها ذاهبة إلى الحرب. وتنفق في هذا الشهر على مأكلها أكثر مما تنفق في بقية الأشهر.
لا أدعو بذلك إلى التنسك والزهد. فهذه دعوة مستحيلة. ولا أغفل أن لشهر رمضان أجواءه البديعة وطقوسه الجميلة، كما يجري في بعض البلدان التي تتفنن وتبتكر في صنع المآكل الحلوى للتمتع بما لذّ وطاب، حتى صار لرمضان أسواقه وسلعه وماركاته الخاصة.
واليوم، وفي عصر الشاشة، يُكرّس النشاط التلفزيوني للموسم الرمضاني، لإنتاج مسلسلات للترفيه عن الصائم وتسليته، بحيث صار الناس، في الشهر الفضيل، يتردّدون بين فائض في المأكولات وفيض في المسلسلات، بين التمتع بالطيبات والاستمتاع بالحكايات.
وتلك هي المفارقة. فالإنسان هو ذو سوية مزدوجة، يعيش بالمخادعة ويمارس الالتفاف والمداورة، ولذا، فما يمتنع عنه المرء من وجه يستعيده من وجه آخر. هو يمتنع عن الطعام لكي يُقبل عليه بصورة مضاعفة. ليكن ذلك.
فالأمور لا تستقيم بمنطق أحادي قائم على المنع والحظر. ولكن ما هو معقول أو مشروع هو الاعتدال والتوازن، بحيث لا تنقلب الأمور إلى ضدها، ولا تتحوّل تجربة في التدرب على الضبط والتحكّم في تلبية الرغبات إلى شرهٍ وتبذير.
خلاصة القول: إن البشرية هي الآن على مفترق طرق. فالأرض بمواردها ومناخاتها لم تعد تحتمل هذا التوحش والفحش في الإنتاج والاستهلاك. وإذا لم يكن بالوسع شق أفق لعالم آخر بنماذجه وصوره وقيمه ومعانيه، فالمآل هو شبيه بحكاية نوحٍ مع الطوفان، كما يتخيّل سيناريوهات المصير البائس، من ينظرون إلى الأبعد من العلماء والفنانين والمخرجين السينمائيين.
كاتب ومفكر لبناني
harb@cyberia.net.lb
