منذ العام 1991، لم أكن لأتصور أن أي بحث عن مستقبل للعراق يمكن ان يخرج من إطار المقارنة مع اليابان وألمانيا بعد هزيمتهما في الحرب العالمية الثانية.
لقد كتبت في هذا أكثر من مرة مثلما كتب آخرون غيري أيضا. والمفارقة هنا انه رغم ما يبدو بأنه فوارق كبيرة في المقارنة، فان ثمة من القواسم المشتركة ما كان يؤهل العراق للنهوض مجددا ليكون أقوى مما كان عليه.
فالعراق ربما يكون البلد العربي الوحيد الذي يحظى بثروات نفطية هائلة إضافة إلى ثروة المياه والزراعة. واذا ما أضيف إلى ذلك الثروة البشرية (رغم استنزاف تعرضت له طيلة 30 عاما)، فان كل شروط إعادة بناء تاريخية كانت متوفرة مضافا إليها مناخ اقليمي ودولي مساعد.
لكن الأمر كله توقف عند نقطة واحدة وعامل وحيد: تمسك الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بالسلطة فقط، ورفضه أي تصور (حتى من باب الخيال) لمستقبل العراق دون ان يكون هو على رأسه بسلطة مطلقة.
ولم يقبل حتى بأفكار ومقترحات (عربية في غالبها) قدمت له تقضي بتسليم السلطة لا لمساعديه المقربين بل حتى لأحد أبنائه. هكذا فان مستقبل العراق بكل ما يعنيه من إعادة بناء ونهوض وبناء قوة اقتصادية توقف بسبب تمسك شخص واحد بالسلطة وبشكل استحواذ مرضي.
مع انسداد الآفاق تماما أمام العراقيين، كان رحيل نظام صدام حسين أكثر من أمنية تداعب شعبا مقهورا خاضعا للاستبداد، أما الثمن المأمول فقد كان زالحريةس وكل ما يتبعها من أحلام بالتعافي من أمراض الاستبداد والفقر.
لكن مع مجيء الاحتلال، فان خيبة الأمل لم تأت بسبب سجل الاحتلال المخفق سياسيا واقتصاديا ومعيشيا فحسب، بل لأن الاحتلال لم يفعل سوى ان دشن حالة الاحتراب الأهلي وقننها. فالعملية السياسية (رغم كل بهجة الذهاب المتكرر إلى صناديق الاقتراع) هي التعبير الملطف لحالة الاحتراب هذه.
وهذا هو روبرت فيسك يختزل سجل الاحتلال بعنوان بليغ: «تعذيب وفساد وحرب أهلية، هكذا تركت أميركا بصمتها في العراق». (الاندبندنت،20 اغسطس 2010).تفرض المقارنة نفسها مع اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية نفسها من جديد.
وما من نموذج يمكن ان يسوق بحماس أكثر من بلدين خرجا مدمرين من حرب طويلة وأصبحا بعد عقدين قوة اقتصادية عالمية. بل ان المضي في التفاصيل، سيدهشنا اقله في تفصيل بسيط هو ذاك المتعلق بالثروة البشرية. فالمنتصرون في الحرب العالمية الثانية، استحوذوا على العلماء الألمان واستفادوا منهم إلى أقصى الحدود.
اما في حالة العراق، فان الآلاف من الكوادر التي كانت في المنفى في ميادين شتى لم تجد أي إغراء للعودة إلى البلاد، كما ان الذين كانوا في العراق وهم بالآلاف أيضاً أصبحوا فريسة سهلة لفرق الاغتيال وفي أحسن الأحوال تم إقصاؤهم إلى ظلال النسيان والتجاهل.
ثمة مفارقة تنم عن نفاق أخلاقي فاضح. فمعظم هؤلاء تم إقصاؤهم بحجة انتمائهم أو عملهم في ظل مؤسسات النظام السابق، لكن هذه القاعدة لم تكن هي التي تم التعامل بها مع العلماء الألمان الذين كانوا على رأس أولويات جيوش الحلفاء التي دخلت برلين واحتلت ألمانيا.
هذا التفصيل الصغير، سيقودنا حتما إلى العنصر الأهم في قصة احتلال العراق كلها، وهو الهدف من احتلال العراق.
هنا، سيتضح جليا الدور المخرب الذي لعبه الاحتلال في كبح أية بوادر لعملية إعادة بناء على غرار ما جرى في ألمانيا واليابان. وبدلا من تشجيع عوامل النمو الذاتي للبلد، راح الأميركيون وحلفاؤهم في مهمة عاجلة لاقتسام الغنائم والمكاسب وقبض ثمن الحرب..
لم لا وهي الحرب التي قال عنها الاقتصادي الأميركي جوزيف ستيغليتز انها «حرب الثلاثة تريليونات دولار». فلقد كتب ستيغليتز في العام 2008 ما أصبح معروفا للعالم اجمع اليوم «ان هذه الحرب لم تشهد سوى فائزين اثنين: شركات النفط ومقاولي الدفاع. فقد ارتفعت أسعار أسهم شركة هاليبيرتون، شركة نائب الرئيس ديك تشيني القديمة، حتى بلغت عنان السماء».
لكن الإشارة إلى المسؤولية الخارجية المعوقة أو التي تفرض انحرافا دوما عن أهداف وطنية، ستحيلنا بدورها إلى المسؤولية الذاتية لحكام العراق الجدد الذين خلفوا نظام صدام حسين، وللطبقة السياسية بأكملها التي تتسيد المسرح السياسي في العراق.
فهل في سجل هؤلاء منذ ابريل 2003 وحتى اليوم، ما يمكن ان يعزز أي أمل في رؤية عراق يسير لا على خطى ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، بل أقله على مسار يمكن الاطمئنان بأنه سيقود إلى ذلك الوعد المبكر بان يتحول العراق نموذجا يحتذى به في المنطقة؟
في خطاب النظام السابق، كان ثمة رابط لا فكاك منه بين التشبث بالسلطة وبين خارج شيطاني لا يكف عن التآمر ضد العراق. رابط جعل احتكار السلطة ضرورة لا تناقش.
لا يبدو الموضوع ولا الخطاب مغايرا اليوم كثيرا، فحتى تحدي «الإرهاب» في تجلياته الداخلية ليس سوى تعبير عن عدو خارجي يتربص بالعراق، وهاهو رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي يكرر غير مرة في معرض تبريره لتمسكه بالبقاء في السلطة ان ذهابه عن السلطة سيأتي بثمن باهظ هو عودة المسلحين وعودة الإرهاب ويحذر من ان وصول أي شخصية ضعيفة مكانه ستجعل هذا الاحتمال هو المصير.
ما الفارق؟ ليس كثيرا، فالتشبث بالسلطة سيبقى هو العنصر المعيق لعملية إعادة بناء بلد مدمر وشعب تطبق عليه مقايضة مميتة: أما الأمن أو الحرية والعيش الحسن. حدث هذا قبل أكثر من عقد ويحدث الآن لكن في ظل تعددية وديمقراطية معلنة، لكنها اقرب للخداع البصري.
مفارقة عجيبة، جعلتنا أمام حالة فريدة من نوعها في التاريخ يصبح فيها بقاء المحتل مطلبا لا غنى عنه لضمان عدم انزلاق البلد إلى احتراب أهلي.
كاتب بحريني
mfadhel@batelco.com.bh