إذن هي سجالات دموية، ما يخط تاريخ اليمن الحديث في مفارقة تاريخية أشبه بلعبة الجينات السائدة والمتنحية في حياة الشعوب. في الآونة الأخيرة كانت المحاولات اليمنية للانضمام إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية تتوج بكوة نور واسعة.
أضاءت عقلانية سياسية وجهت الموارد نحو محاولة إذابة الفارق في الدخل ومستوى المعيشة ووتيرة التنمية بين اليمن وسائر دول الخليج العربية، كمقدمة للبحث في الخطوة التالية على هذا الطريق.
هذا الحراك ولد بدايات دوران عجلة الاقتصاد اليمنية وان كانت التنمية السياسية بقيت أسيرة إشكالات مزمنة، انعكست في حوار متقطع ومربك بين الحكومة وتجمع «اللقاء المشترك» المعارض، الأمر الذي خلف بيئة مواتية لظهور جدالات دموية في الشارع توزعت على بعض الاتجاهات الطائفية والعرقية.
وان كانت مقولة الفنان الراحل نهاد قلعي «إذا أردنا أن نعرف ما في ايطاليا علينا أن نعرف ما في البرازيل» استشراف عبقري لحقبة العولمة السياسية الطاغية حالياً، فإننا يجب أن نحدد موقع اليمن على الخريطة السياسية العالمية، لنعرف إحداثيات الحدث السياسي الداخلي في أرض كانت يوماً صورة للجنة على هذه الكرة.
أهم ما يميز اليمن هو موقعها الحساس جداً لجهة امتلاكها عمقاً استراتيجياً بحرياً مفتوحاً على جهات الأرض، ما يجعلها وغى رحباً للأساطيل، الأمر الذي دفع ببعض أركان إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش- اتساقاً مع خطها اليميني وسعيه للإشراف على الحزام النفطي العالمي- إلى الترويج لليمن كنقطة مستهدفة غربياً على الخارطة العالمية الجديدة، وضمها إلى طليعة البقع الأرضية المستهدفة بثقافة القواعد، وإحكام حصار البحر على العراق سابقاً وإيران حالياً.
في المقابل، تقاطع تناقضان متوازيان لا يمكن أن يلتقيا إلا إذا كانت في الأجواء درجة عالية جداً من الغليان السياسي والانصهار المحتدم: جيب شيعي فاجأ الجميع بمدى تسلحه وتنظيمه في صعدة في الشمال، وجماعات سنية متشددة تهتدي بخط تنظيم القاعدة في الجنوب.
وإزاء المعضلات السياسية المزمنة والمغفلة من قبل الحكومة التي تتغذى أساساً من تناقض أساسي يتصل بتوزيع الثروات والمناصب بين الشمال والجنوب، متزامناً مع هجوم الغرب السلمي نحو الموقع اليمني البحري الاستراتيجي، الذي تقاطع مع محاولات استنهاض قوى التنمية، إزاء كل هذا هبت القوى المناهضة لهذه المخططات من داخل اليمن وامتداداتها الخارجية من «القاعدة» وإيران لعرقلة كل ذلك عبر تفجير البيئة- الآمنة الشرط الأزلي للتنمية.
وكما هي حال العراق وأفغانستان وجنوب لبنان وغزة، انضمت اليمن إلى دائرة نقاط عض الأصابع الدموي بين قوى إقليمية وعالمية، تتأثر مجرياتها الداخلية بالخط البياني لدرجة قوة هذا العض، وبقيت حياة الملايين المتعبة من أبنائها رهناً لذلك.
ومع الحال هذه، فان كل المحاولات العربية والإقليمية أحياناً لتبريد النقاط اليمنية الساخنة تبقى مجردة من أي قوة نفع خارج إطار التبريد في انتظار الجولة التالية من القتال وإعادة ترتيب الصفوف وحشد مواطن القوة.
الحل دوماً ينطبق على اليمن كما غيرها من بؤر الشد والجذب الخارجي كأفغانستان والعراق وجنوب لبنان وغزة، ببساطة هو حل ينبع من الداخل: على الحكومة أن تبادر فوراً إلى حل التناقض الشمالي الجنوبي وتقاسم السلطة والثروات في مقابل اعتصام المعارضة بحبل الوطن ولا انتماء لغيره.
وضمان حقوق الأقليات الطائفية تحت طائلة اجتثاث كل الارتباطات الخارجية، ومن ثم التعامل مع الموقع الاستراتيجي بمنظار مصلحي وطني موحد العدسات.
adonis02@hotmail.com