(MIND YOUR LANGUAGE) من أشهر وأمتع المسلسلات التلفزيونية الأجنبية التي عرضت في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، أنتجته شركة LWT البريطانية أواخر عام 1977 وقدمت منه ثلاث سلاسل حتى عام 1979م، ثم توقف ليعاد إنتاج جزء رابع منه عام 1986 بمشاركة بعض أعضاء الفريق الأصلي الذي قدم الأجزاء الثلاثة الأولى منه.
تدور القصة حول مجموعة من الرجال والنساء الذين يعملون في إنجلترا ويريدون تعلم اللغة الإنجليزية خلال الفترة المسائية، حيث يقوم بهذه المهمة المدرس «جيريمي براون». يتكون الفصل من طلاب ذوي جنسيات مختلفة تتنوع بين الإيطالية والألمانية والصينية والهندية والباكستانية واليونانية والأسبانية والفرنسية والسويدية والهنغارية.
وتأتي المتعة من خلال المفارقات التي تحدث نتيجة سوء فهم الطلاب للغة الإنجليزية واستخدامهم لبعض مفرداتها بشكل خاطئ، الأمر الذي يسبب مواقف محرجة للبعض منهم، علاوة على المشادات التي تحدث بين بعضهم بسبب اختلاف الدين والثقافة والنزاعات السياسية بين بلدانهم.
الأمر الذي ينعكس على طبيعة الحوار بينهم، خاصة المواقف التي كانت تحدث بين «علي نديم» الباكستاني المسلم و«رانجيت سينغ» الهندي القادم من البنجاب والذي ينتمي إلى طائفة السيخ.
تذكرت هذا المسلسل، وحمدت الله أولا على أنه كان إنتاجا بريطانيا وليس عربيا، إذ لو كان عربيا لتسبب في مشاكل لها أول وليس لها آخر، وربما رأينا تحالفا دوليا جديدا يهاجم البلد العربي الذي أنتجه ويحتله ويعيث فيه فسادا وينشر فيه الفوضى بحجة أن المسلسل يعمل على التفرقة الدينية والعنصرية، ويثير الفتنة بين الشعوب، ويزدري الحضارات والثقافات الأخرى ويسخر منها.
ثم حمدته ثانية لأن المسلسل قد توقف منذ ربع قرن تقريبا وإلا لقامت تلفزيوناتنا وشركات إنتاجنا العربية بتقليده وعمل نسخة عربية مشوهة منه، علما بأن دولا عديدة قامت بتقليده في تلك الفترة.
من بينها الولايات المتحدة الأميركية والهند وباكستان ونيجيريا، ولو أن البث الفضائي وقتها كان موجودا لما توانت محطاتنا الفضائية عن تقليده كعادتها، ولكن بشكل يزرع المزيد من الفرقة والتشتت بين الشعوب العربية.
تذكرت هذا المسلسل وأنا أتابع ردود الأفعال التي أحدثها المسلسل الكرتوني الكويتي (بوقتادة وبونبيل) الذي تعرضه قناة «الوطن» الكويتية بعد بثه حلقتين تسببتا في أزمة بين دولة الكويت والمملكة المغربية.
أدت إلى صدور اعتذار رسمي من قبل وزارة الخارجية الكويتية تضمن عبارات أسف شديد عن بث القناة للمسلسل الذي تضمن إساءة لكرامة المرأة المغربية.
بعد المذكرة التي تقدمت بها الحكومة المغربية، والتي تضمنت احتجاجا قويا على ما وصفته بالابتذال الذي لا يمت إلى الإعلام بصلة، ويؤدي إلى إحداث فجوة بين الشعبين الشقيقين، وطلبت من وزارة الإعلام الكويتية أن تضطلع بدورها كاملا، حتى لا تسمح لأي جهة بأن تتسبب في الإضرار بالعلاقات بين البلدين الشقيقين.
ورغم اعتذار وزارة الخارجية الكويتية ورئيس مجلس إدارة تلفزيون «الوطن» إلا أن هذه الاعتذارات كما يبدو لم تشف غليل العديد من المغاربة الذين ما زالوا يعبرون عن غضبهم واستيائهم مما حدث عبر المنتديات والمواقع الإلكترونية.
حيث اتسمت بعض التعليقات بالعنف اللفظي، وبدعوات ليس إلى وقف المسلسل فقط وإنما إغلاق القناة أيضا، وتطورت إلى مطالبات سياسية صعبة التحقق، بمعنى أن الأمر تحول إلى فتنة بين الشعبين الشقيقين رغم محاولة الجهات الرسمية احتواء الموضوع.
الحلقة التي تسببت في هذه المشكلة تصور وصول بطلي المسلسل إلى مدينة زأغاديرس المغربية بهدف لقاء فتاتين مغربيتين، وتظهر فيها والدة الفتاتين وهي تهيئ فنجاني قهوة للضيفين، وتستعد لوضع سائل غريب فيها للتأثير عليهما بالسحر حتى يتزوجا الفتاتين، وكانت الحلقة السابقة لها تتطرق لبعض الظواهر في المغرب، مثل السحر والرقص والميوعة الأخلاقية.
هذه الصورة التي قدمها المسلسل تسيء دون شك إلى الشعب المغربي الشقيق، وتمس مشاعر أكثر من 30 مليون مغربي مهما حاول منتجو المسلسل تبريرها أو الادعاء بأن الغرض هو التطرق إلى سلوكيات معينة للبعض وليس التعميم.
الأمر الذي يطرح من جديد مدى التزام وسائل الإعلام العربية بميثاق الشرف الإعلامي غير المكتوب، ويعيد إلى الأذهان الأزمة التي حدثت بين الشعبين المصري والجزائري على خلفية ما جرى في تصفيات القارة الإفريقية للوصول إلى نهائيات كأس العالم التي أقيمت هذا العام في جنوب إفريقيا.
حيث لعبت وسائل الإعلام في البلدين دوراً كبيراً ورئيسيا في إذكاء نار الفتنة بين الشعبين الشقيقين، وصبت المزيد من الزيت على النار التي أحرقت الكثير من الأوراق، وستظل آثارها باقية في النفوس لفترة سوف تطول في تصورنا.
لذلك نتساءل: أي فائدة تحققت من تصعيد ما حدث بين منتخبين عربيين شقيقين في منافسة رياضية تقوم على الفوز والخسارة؟ وأي فائدة ستتحقق من الإساءة إلى شعب عربي شقيق والمساس بفئة من فئاته؟
وما هو مدى الوعي الذي يتمتع به مديرو قنواتنا الفضائية، الحكومي منها والخاص، والقائمون على إنتاج مثل هذه البرامج والأعمال التلفزيونية التي لا تراعي المعايير المهنية والأخلاقية التي يجب أن يلتزم بها معدو الرسالة الإعلامية والمسؤولون عن بثها؟
هذه القضية تطرح من جديد أزمة الإعلام العربي الذي لا يفرق بين المتعة والفتنة، في زمن لا تنقصنا فيه الفتن والأزمات على كافة الصُّعُد والمستويات.
كاتب إماراتي
aliobaid4000@yahoo.com
