وضع جلالة الملك عبدالله الثاني في مقابلته الشاملة, الصريحة والواضحة مع القناة الاولى في التلفزيون الاسرائيلي، حكومة نتنياهو أمام المشهد الاقليمي الراهن بكل ما يحفل به من اشارات وحقائق ومعطيات تاريخية وجغرافية وسياسية، بعيدا عن منطق القوة الذي تواصل حكومات اسرائيل المتعاقبة الاستناد اليه في تعاطيها مع الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ومع مجمل الصراعات والتوترات في المنطقة المنطلقة أساسا من العدوان والحروب الاسرائيلية المتواصلة على الفلسطينيين والعرب..

ثمة حقائق يصعب على اسرائيل تجاهلها ولم يعد بمقدورها مواصلة لعبة شراء الوقت وفرض الأمر الواقع على الفلسطينيين والعرب، فقد مضت اربعة عقود ونيف على الاحتلال الاسرائيلي لأراضي الشعب الفلسطيني واراضي دول عربية اخرى ولم تنجح في تحقيق أي انجاز سياسي رغم نجاحها المزعوم وغير الشرعي والمرفوض فلسطينيا وعربيا ودوليا في الاستيطان ومصادرة الاراضي وتهويد القدس، لكنها الآن باتت أمام ساعة الحقيقة وعليها ان تختار كما أعاد جلالة الملك تذكير قادتها بذلك، اما مواصلة التفكير بعقلية القلعة او الذهاب الى مربع الأمن والتكامل مع جيرانها..

العالم كله بدأ يدرك حقيقة الصراع الكامنة في ان حل الدولتين هو مصلحة استراتيجية اقليمية ودولية الأمر الذي يعني في جملة ما يعنيه، تكاتف جهود جميع الأطراف من أجل ضمان تحقيق المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية والأمل معقود بأن انطلاقة هذه المفاوضات سيقود الى تقدم ملموس وسريع نحو هذا الحل الذي يشكل السبيل الوحيد لتحقيق الامن والاستقرار في المنطقة.

من هنا يمكن التوقف عند الرسالة المهمة والحيوية التي اراد جلالة الملك ارسالها الى كل من يعنيهم الأمر عندما قال ان المفاوضات القادمة تشكل فرصة يجب عدم اضاعتها للتوصل الى السلام.

ولم يتردد جلالته في التحذير من ان الفشل في حل الصراع سيعرض جميع الدول في المنطقة والشعوب الى موجات جديدة من العنف والتوتر لا نحسب ان احداً سيكون في منأى عنها خصوصاً ان المنطقة دولها والشعوب. في غنى عن معاناة ودماء وكوارث جديدة الأمر الذي يفرض ان تنهض قوى السلام بمسؤولياتها وان تبذل المزيد من الجهود للحؤول دون تمكن المتطرفين من فرض اجنداتهم الكارثية على الجميع..

وهو ما لفت اليه جلالة الملك عندما قال ان استضافة الولايات المتحدة الاميركية لعملية اطلاق المفاوضات المباشرة، مؤشر على الالتزام الاميركي بدفع الجهود السلمية الى الامام في ظل الاعلان الاميركي المهم والصحيح عن ان الصراع الفلسطيني الاسرائيلي على اساس حل الدولتين هو مصلحة استراتيجية اميركية..

لم يعد مقبولاً الاستمرار في لعبة شراء الوقت بهدف بناء المزيد من المستوطنات وتهويد القدس وافراغ المفاوضات (وعملية السلام بالتالي) من مضامينها وعلى قادة اسرائيل ان يدركوا بأن السلام وحده هو الذي يضمن أمن اسرائيل وليس العيش في عقلية القلعة التي تنظر من فوق الجدران فثمة خيار آخر مطروح أمام اسرائيل منذ مدة طويلة وعليها ان تدقق جيداً في خياراتها وبخاصة ان بديل عقلية القلعة هو العيش بأمن وسلام وتكامل مع جيرانها وهو ما تطرحه في وضوح وشجاعة مبادرة السلام العربية كاطار واضح ومحدد لسلام شامل ينهض على العدل..

آن لحكومة اسرائيل الحالية ان تدرك بأن السلام الذي تنشده شعوب المنطقة هو السلام الذي يضمن الحقوق وليس السلام المفروض أو ذلك الذي ينهض على القوة, فللقوة حدود وفاعليتها محدودة والذين عليهم قبل غيرهم ان يدركوا هذه الحقيقة هم الاسرائيليون أنفسهم, فاستمرار الوضع الراهن لن يجلب سوى المزيد من الشعور بالاحباط على نحو يهدد بتفجر العنف الذي لن تنجو أي دولة أو أي شعب في المنطقة من دفع استحقاقاته فهل تصغي اسرائيل لمنطق السلام والحوار وتمضي الى سلام شامل يضمن حقوق الجميع؟.

نأمل ان تكون الرسالة الملكية الشجاعة والواضحة والمتمسكة بالحقوق والثوابت والانحياز لثقافة السلام العادل والشامل والحوار قد وصلت..