ظنها بوش الابن نزهة للبحث عما أسماه أسلحة الدمار الشامل، التي يهدد بها صدام العالم، لكن المهمة التي جيش الرئيس الأميركي السابق العالم من اجلها تحولت قبل أن يرحل إلى كابوس، وبات إنهاؤها الذي فشل فيه، وعدا لسلفه اوباما يحاول الوفاء به.

وظنتها كونداليزارايس فرصة لشرق أوسط جديد، قائم على الفوضى الخلاقة، التي ثبت انها فوضى هدامة، أكلت في طريقها الأخضر واليابس، وفتحت أبواب الجحيم من كل صوب على العراقيين، الذين حاصرتهم نيران الأعداء والأصدقاء على السواء. فبعد سبع سنوات من غزو ارض الرافدين، ها هي المهمة تتبدل وتتلون لينتهي بها المطاف إلى تدريب القوات العراقية على القيام بمهامها الأمنية، التي تبدو مهمة جد عسيرة، بعد أن فعل الاحتلال مفعوله في قلب كل شيء رأسا على عقب.

ففي غضون عام وبضعة أشهر، أي في مطلع 2012، سيكون على العراقيين مواجهة مصيرهم في غياب القوات الأميركية، بعد انسحابها الكامل طبقا لخطة اوباما، وان المح البعض إلى إمكانية تأجيلها بعض الوقت بناء على طلب الحكومة العراقية، وفقا للاتفاق الأمني الموقع بين واشنطن وبغداد.

لا أحد يريد للمحتل أن يبقى في العراق يوما واحدا، لكن خروج قواته قبل أن يشتد ساعد قوى الأمن العراقية، يثير المخاوف، وقد بدأت التباشير تظهر بشكل أسرع مما يظن البعض عندما رافق بدء الانسحاب الجزئي وانخفاض القوات الأميركية إلى ما دون الخمسين ألف فرد من تفجيرات واسعة النطاق أراد أصحابها من خلالها توجيه رسالة ما، والمؤكد انها وصلت إلى الأطراف المعنية.

أشلاء الضحايا الذين مزقتهم التفجيرات التي طالت العديد من المدن العراقية في الأيام الأخيرة، تقول للمنسحبين على عجل، أن ها هنا من فشل السلاح الأميركي في منع عملياتهم، التي تلاحق عناصر الأمن والشرطة بالذات، وهى الرسالة الأهم بشأن المستقبل الذي ينتظر العراقيين مع هرولة الأميركيين.

وما يزيد الأمور تعقيدا أن عملية تشكيل الحكومة العراقية، لا يزال مخاضها عسيرا، في ظل التناحر على اسم من يرأسها، رغم مرور ما يقرب من ستة أشهر على الانتخابات البرلمانية التي جرت في مارس الماضي.

لقد حاول الجيش الأميركي الترويج لما اسماه (الفجر الجديد) بعد انتهاء عملياته القتالية رسميا، للإيحاء بان ضوءا في آخر النفق المظلم يلوح للعراقيين، غير أن هذا الفجر يبدو كاذبا في ضوء المعطيات على ارض الواقع، فكل هم المحتل، إنهاء النزيف والخسائر التي لحقت به على مدى سبع سنوات من الغزو وحتى الآن، فقد قتل أكثر من 4700 جندي للقوات الغازية جلهم من الأميركيين، كما تحملت واشنطن نحو 800 مليار دولار فاتورة حرب ثمارها الحصرم.

ومع سعي الأميركيين إلى إظهار خروجهم من العراق، على أنه إنهاء لمهمة طال أمدها، كان الانسحاب الجزئي وخفض القوات ما دون الخمسين الفا قبل نهاية أغسطس، إلا أن الإعلام الغربي وجد فيها فرصة، للهجوم على حرب قال انها ما كان يجب لها أن تبدأ، خاصة أن بوش وحلفاءه في لندن ومدريد، وعواصم اختارت أن تكون معه وليس ضده، خشية غضب الكاوبوي.

والخلاصة أن مغامرة غير محسوبة العواقب، يحاول اوباما الآن التقليل من خسائرها قدر الإمكان، غير أن تقليل الخسائر لا يجب أن يكون في الجانب الذي شن الحرب وحده، بل إن البلد الذي حوله الغزو إلى حطام دولة، يتحتم على الذين أرجعوه إلى القرون الوسطى عن عمد، أن يتحملوا مسؤوليتهم، في إخراجه من حالة الركام التي وصل إليها.

وللأسف فان، كل المؤشرات تقول إن فوضى الخروج، ستطول العراقيين ومن حولهم، وستظل المنطقة تدفع الثمن لسنوات مقبلة لا يعرف مداها إلا الله.