من حق رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو أن يزهو بانتصاره في معركة فرض التفاوض المباشر مع السلطة الفلسطينية «بدون شروط مسبقة» كما أصر هو، وكما رضخت الإدارة الأميركية، وكما «اضطر» أبو مازن لقبوله، وهو ما يعني التفاوض بشروط إسرائيل التي سارع نتانياهو بالتأكيد عليها.

حيث لا عودة لحدود 67، ولا حقوق للاجئين في وطنهم المسلوب، والاعتراف بيهودية الدولة هو أساس أي حل، والدولة الموعودة ليست دولة، بل كانتونات مقطعة الأوصال منزوعة السلاح تحت السيطرة الأمنية والاقتصادية الكاملة لإسرائيل.

وهي ـ حتى بهذه المواصفات الإسرائيلية ـ فعل مؤجل، فالحلول التي قال نتانياهو انها ستدهش الجميع لا تعني إلا «الدولة المؤقتة» في جزء من الضفة، والسلام الذي يتحدث عنه هو السلام الاقتصادي الذي يعني تحسيناً لبعض الخدمات وإزالة بعد الحواجز وتقديم بعض المعونات (من مصادر أجنبية وعربية) وتعزيز قدرات السلطة على ضبط الأمن «الإسرائيلي!!».

وفتح المجال للعمال الفلسطينيين للعمل في المستوطنات الإسرائيلية، إلى آخر بنود هذا «الحل الإسرائيلي» الذي قال نتانياهو للرئيس الأميركي أنه يمكن الوصول إليه في شهور قليلة إذا وجد «الشريك الفلسطيني» الذي يقبل الدولة بحدود مؤقتة، ويترك القضايا الأساسية للزمن أو لإسرائيل!!

من حق نتانياهو أن يزهو بانتصاره، فقد تم جر السلطة الفلسطينية إلى المباحثات المباشرة بعد الضغوط الأميركية الهائلة والتهديدات التي تلقاها أبو مازن من الرئيس الأميركي، وأعلنت وزيرة الخارجية بأكثر العبارات وضوحاً أن التفاوض سيكون «بلا شروط مسبقة» .

واستسلم أوباما للوبي الصهيوني وتراجع عن كل مواقفه وحول ضغوطه من الحكومة الإسرائيلية إلى الفلسطينيين والعرب الذين سيكونون ممثلين بالرئيس المصري والعاهل الأردني في الاحتفال ببدء التفاوض الذي ربما لن يستمر إلا لأسابيع ثم يتحطم على صخرة استئناف بناء المستوطنات في نهاية سبتمبر، فإذا تم تجاوز هذا الموقف، فلا شيء إلا التفاوض حتى تمر الانتخابات التشريعية الأميركية قبل نهاية العام، وبعدها كل شيء بقضاء.

من حق نتانياهو أن يزهو بانتصاره وقد فرض شروطه على الجميع، وهو ذاهب ليفاوض الرئيس الفلسطيني وهو في أضعف حالاته حيث لا يجد من يؤيد ذهابه للتفاوض الذي انقسمت عليه حتى الدائرة الصغيرة في قيادة فتح، وعارضته المنظمات المشاركة في منظمة التحرير بالإضافة إلى من هم خارج المنظمة، والدول العربية تركت القرار للسلطة الفلسطينية التي لا تملك ـ في الواقع ـ أي إمكانيات لاتخاذ القرار في الظروف التي تمر بها.

انتصار آخر يزهو به نتانياهو هذه الأيام بعد عودته من زيارة غير مسبوقة لليونان، سبقتها زيارة أولى لرئيس وزراء يوناني لإسرائيل، والاحتفالات بالزيارة مازالت تتواصل في إسرائيل، حيث يربط الجميع بينها وبين الموقف مع تركيا الخصم التاريخي لليونان.

ويرون في تعزيز العلاقات مع أثينا بعض التعويض عن تدهور العلاقة مع تركيا، أو استمراراً في الضغوط التي تتواصل على تركيا لتعديل مواقفها الأخيرة وتوجهاتها نحو دعم علاقاتها بالعالمين العربي والإسلامي.

لقد كانت اليونان على الدوام نصيراً للقضايا العربية، وكانت علاقاتها مع هذه الدول العربية وخاصة المطلة على البحر المتوسط قوية للغاية. وكان يعزز ذلك أن خصمها التركي التقليدي كان في المعسكر الآخر يقيم العلاقات الوثيقة مع إسرائيل، ويشارك في التآمر على العرب ويعادي القومية العربية ويساهم في حرب الأحلاف العسكرية التي كانت تحاول تطويق العالم العربي بدعم أميركي غربي.

ومازلت أذكر كيف وقفت اليونان إلى جانب مصر بعد تأميم قناة السويس، وكيف رفض المرشدون اليونانيون المشاركة في مؤامرة تعطيل الملاحة في قناة السويس بانسحاب المرشدين الأجانب. وكيف رفضوا كل الإغراءات وظلوا في مواقعهم مع المرشدين المصريين حتى فشلت المؤامرة.

ومازلت أذكر أيضاً كيف تعاون القبارصة اليونانيون؟ كانوا يخوضون حرباً ضد القواعد البريطانية على أرضهم؟ مع مصر عبدالناصر في كشف تحركات قوات العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ومازلت أذكر كيف كان اليونانيون هم الأقرب إلينا بين كل الجاليات الأجنبية، وكيف عادوا ليصبحوا ـ حتى الآن ـ اليونانيين «المصريين» كما يسمونهم في هذه البلاد الجميلة.

ولكننا كالعادة نهمل علاقاتنا الخارجية، بينما العدو يتحرك على كل الجبهات ويستغل أوهام المصالحة والسلام لبناء علاقاته مع القوى التي كانت الأقرب لنا، من الصين إلى الهند إلى دول إفريقيا وأميركا اللاتينية، وحتى هذه الحلقة الأخيرة مع اليونان التي لا ينظر إليها فقط باعتبارها تعويضاً عن علاقاته بتركيا، بل إنه يحاول بناء علاقات توطد نفوذه في البحر المتوسط الذي كان مفروضاً أن يكون بحيرة عربية، ويحاول حماية مصالح ستزداد بعد اكتشاف الغاز قرب سواحله وسواحل قبرص ليسطو على ثروات قد تكون في مياه لبنان أو سواحل غزة.

ونحن كالعادة نتفرج ونبدد تراثاً من العلاقات مع دول فاعلة، بينما العدو الصهيوني الذي يضع الورقة الأميركية في جيبه ضامناً انحيازها الكامل له، لا يكتفي بذلك بل يوسع علاقاته ويستثمر أوراقه ولا يعرف كيف يتحدث بلغة المصالح المتبادلة، بينما نكتفي نحن بالحديث عن الحقوق المشروعة، ثم نذهب ـ طائعين أو مرغمين ـ لكي نتفاوض من أضعف المواقف لأننا لا نملك البديل، ونسلم أوراق اللعبة لغيرنا قبل أن نلعب، ثم ننتظر النصر أو نرجو السلام!!

galal.aref@hotmail.com

كاتب صحافي مصري