منذ تأسيسها ودولة الإمارات تتخذ خطوات جادة وحقيقية نحو التحول من مجتمع القبيلة إلى مجتمع دولة المؤسسات وتعزيز المشاركة العامة عموما والمشاركة السياسية بشكل خاص.

ويمكن تكون أهم خطوة في طريق التحول المؤسساتي الذي يعتبر لب التنمية السياسية هو التفاعل النشط بين الحكومة والمواطن لإعادة تشكيل آفاق المشاركة في صنع السياسات العامة والمستقبلية.

ويرى المحللون أن توسيع آفاق المشاركة السياسية يرتكز عموما على أربعة محاور رئيسة هي: مواصلة عملية التحول نحو الحياة المؤسساتية التي تتحمل في واقع الأمر مراجعة السياسات العامة، المشاركة الفاعلة للمواطن وإبداء الرأي في تطوير تلك السياسيات، تمكين المرأة عن طريق توسيع مشاركتها ومساهمتها في صياغة ورسم السياسات العامة والمستقبلية، وأخيرا إيجاد نظام عام يقوم على المحاسبة الإدارية ومراقبة السياسات العامة.

هذه الخطوات مهمة بل ضرورية لأي مجتمع إذا ما أراد التحول الحقيقي إلى دولة المؤسسات وخطوة مهمة نحو تنمية سياسية حقيقية.

ولا يمكن إنكار ما حققته دولة الإمارات في هذا المجال. فقد اتخذت عدة خطوات مهمة في مجال التحول نحو دولة المؤسسات، وعلي الرغم من ذلك فمن الضروري إدراك أن تلك المؤسسات يجب أن تكون قادرة على التكيف مع التحديات التي تواجهها وعلى تلبية مطالب المواطن التي تتغير بحكم التغيرات الحاصلة في المجتمع ككل.

ففي ضوء التحولات السريعة الحاصلة في جميع قطاعات المجتمع تبرز حاجة ملحة لتخطي البيروقراطية المركزية والمنظومات ذات التسلسل الهرمي إلى جانب التركيز على هياكل لامركزية بحيث تكون قادرة على التجاوب السريع ليس فقط مع متطلبات المواطنين ولكن أيضا مع متطلبات كل مرحلة تاريخية كلا على حدة.

وبما أن المجلس الوطني هو صوت الشعب لذا فإن توسيع صلاحيات المجلس الوطني الاتحادي إلى جانب تعزيز أدوار ومكانة مؤسسات المجتمع المدني لكي يكون مؤثرا وفاعلا في تطوير السياسات العامة ووضع السياسات.

من ناحية أخرى فإن تطوير المشاركة الشعبية عن طريق إشراك المواطن في رسم السياسات العامة وتلك التي تهمه بالدرجة الأولي هي قضية ضرورية لتشكيل وعي شعبي بالقضايا المجتمعية والتفاعل معها.

فتفاعل المواطن مع القضايا المجتمعية قضية ضرورية لتشكيل وعي وطني ومجتمعي عام. بهذا نكون قد ضربنا عصفورين بحجر، إعطاء المواطن حقه المشروع في المشاركة وإبداء الرأي في القضايا المجتمعية ودفع عملية التنمية السياسية قدما للأمام.

لقد كان واضحا خلال العقد الفائت كيف أن توسيع هامش المشاركة السياسية كان يتقدم بخطى ثابتة ويدل على ذلك الانتخابات البرلمانية الجزئية التي جرت في عام 2006 بالإضافة بالطبع إلى الحراك في كل إمارة على حدة لانتخاب أعضاء المجالس المحلية وإعطائها دور في قضية رسم السياسات العامة.

والي جانب توسيع المشاركة السياسية هناك حاجة ماسة إلى مواصلة التغلب على الحواجز الاجتماعية القائمة والاستفادة من ذلك الوضع في قضية تمكين المرأة خاصة بعد أن أفصحت العقود السابقة عن الدور الكبير والمساهمة المذهلة للمرأة الإماراتية والشوط الذي قطعته وتنامي مساهمتها في سوق العمل لترسيخ مكانتها في الحياة العامة.

لقد قطعت الإمارات شوطا مميزا في مجال تمكين المرأة ولكن هذا لا يعنى أن الطريق أمامها قد أصبح ممهدا تماما بل يجب أن يضم تمكين المرأة إزالة كافة العقبات من طريقها وإعطائها كافة الحقوق المدنية التي كفلها لها دستور الاتحاد. وأخيرا يجب أن يتضمن تفعيل دور المرأة توسيع نطاق مشاركتها في صنع القرار الحياتي.

في الوقت ذاته يجب النظر بجدية في بعض الخطوات والإجراءات المهمة لتحسين مستوي أداء المؤسسات العامة واتخاذ خطوات أكثر مرونة لتحسين مستوى المحاسبة والشفافية والمساءلة والمحاسبة الإدارية وجعل الدوائر الحكومية أكثر مرونة وتجاوبا لتلبية حاجات المواطنين.

ولا يمكن إنكار الخطوات السابقة التي اتخذت والتي أشاعت جوا من الثقة والأمن والأمان في الأجواء، ولا الخطوات التي اتخذت لوقف التسيب والهدر وإشاعة روح الشفافية وسيادة القانون أو تلك التي اتخذت ضد كل من تسول له نفسه المساس بالمال العام أو سلوك طريق الفساد والهدر المالي أو الإداري كوسيلة وسلوك مهني ووظيفي.

لقد كان لتلك الخطوات أثرا كبيرا في إشاعة جو من الأمن والأمان وردع من تسول له نفسه الإساءة إلى المال العام أو الاستفادة من وظيفته أو مركزه العام في الإثراء غير المشروع. والأكثر من ذلك فقد كان لتلك الخطوة أثرا كبيرا في إثراء عملية التنمية السياسية.

إن دفع عملية التنمية السياسية قدما للأمام هي خطوة صحية ومهمة لتقدم دولتنا ككل. فجوانب التنمية المستدامة هي جوانب متكاملة ولا يمكن إغفال جانب على حساب جانب أخر أو تنمية جانب وترك أخر.

فالإمارات بحاجة إلى تنمية مجتمعية تماما كما هي بحاجة إلى تنمية اقتصادية. فالإمارات ليست نهضة اقتصادية مزدهرة أو نفط أو أبراج عالية ومراكز تسوق ضخمة بل هي حضارة وفكر ووعي مستمر وتفاعل مع القضايا العربية والعالمية. هذا في الواقع ما تستطيع عمله التنمية السياسية.

جامعة الإمارات

maalsaayegh@hotmail.com