في الوقت الذي يمر فيه باكستان بكارثة إنسانية بكل معنى الكلمة يقف الواحد منا ينظر بعين العطف إلى الشعب الباكستاني وهو يذوق مرارة المعاناة التي حلت بما يزيد على عشرين مليون شخص.
وفي ذات الوقت لا يستطيع الواحد منا إلا أن تنتابه مشاعر الغضب لما يدور في هذا البلد من لامبالاة من الكثير من الأطراف الخارجية والأخرى الداخلية لحجم المأساة وما يمكن أن تؤدي به من ضرر بهذا البلد الحيوي والهام بالنسبة للاستقرار العالمي.
باكستان تعيش اليوم وضعاً لا يحسد عليه بل انها تعيش وضعاً يُقربها من السقوط في فلتان أمني مدمر؛ وللأسف الشديد ورغم هذا الوضع إلا أنها لا تجد الاهتمام من المجتمع الدولي.
فالولايات المتحدة التي تعتبر باكستان حليفاً قوياً في مسألة مواجهة الإرهاب ومحاربة طالبان تقف بعيدة كل البعد عن الموقف المسؤول الذي يجب أن تتخذه تجاه مثل هذا البلد الحليف لها، فمساعداتها له لم تكن بحجم الكارثة التي تعصف بهذا البلد النووي الذي يترنح حول دائرة الفشل الداخلي بسبب الضغوط الداخلية الكبيرة من مختلف الجهات ووقوف الجهات الخارجية بعيدة عما يجب أن تقوم به.
إن مأساة باكستان الإنسانية ولدت ضغوطا سياسية واقتصادية كبيرة على الحكومة الباكستانية كما ولدت فلتاناً أمنياً في العديد من المناطق وأصبحت أطراف داخلية معارضة تؤجج سوء الأوضاع أكثر من أن تعمل على إزالة المعاناة .
وذلك من خلال رفعها لشعارات غير مسؤولة بل ومستغلة للوضع الكارثي في ذلك البلد من أجل الإطاحة بالحكومة والقيام بثورة شعبية ضدها، بل ان البعض في الداخل الباكستاني يدعو المؤسسة العسكرية للانقلاب على النظام الديمقراطي في ذلك البلد وإعادة الحكم العسكري إليه بحجة عدم مقدرة الحكومة المنتخبة ديمقراطياً على الوفاء بالتزاماتها تجاه الوضع في باكستان.
وكأن باكستان لم يكفها ما حدث ويحدث لها من كارثة إنسانية تفوق حجم قدرتها على مواجهتها فتأتي تلك الأطراف لتؤجج الداخل الباكستاني نحو مزيد من التوتر والابتعاد عن المسؤولية الأولى ألا وهي مواجهة المعاناة.
من جهته فإن المجتمع الدولي لاسيما الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية لم تلعب دورها المطلوب في مساعدة باكستان في مواجهة الظروف القاسية التي تمر بها بل نجدها وللأسف الشديد تساعد وبشكل غير مباشر في تأجيج حالة عدم الاستقرار والمعاناة في ذلك البلد.
فعندما تخرج مثل هذه الدول الكبرى بتصريحات رسمية عالية المستوى تقول ان باكستان تدعم الإرهابيين وانها طرف غير مساعد في عملية محاربة الإرهاب و.
ان ما تقدمه هذه الدول من مساعدات إلى الحكومة الباكستانية إنما يذهب جزء كبير منه لدعم حركة طالبان فإن ذلك رسالة واضحة من قبل مثل تلك الدول للرأي العام الغربي ـ على أقل تقدير ـ بأن باكستان لا تستحق الدعم في مواجهة مثل هذه الكوارث فهي دولة لا ندري بانها سوف تستغل أموالنا في العمل على رفع المعاناة عن شعبها أم أنها ستستخدمها في دعم الإرهابيين لكف أذاهم كما فعلت مع الأموال والمساعدات التي تُقدم لها من قبل حكومات الدول الغربية حسب ما تزعم تلك الحكومات.
فالداخل الباكستاني ـ المتمثل في جهات المعارضة السياسية ـ والخارج ـ المتمثل في الدول الكبرى ـ لم يعمل على تخفيف معاناة باكستان بل ان الجميع أصبح مسؤولاً في تفاقم الأزمة المتمثلة في عدم مقدرة الحكومة على مواجهة هذه الكارثة. وكأن الجميع يريد أن ينهش في جسد هذا البلد الكبير بما لديه من قدرات وبما يمكن ان يمثله من تهديد للأمن والسلم العالميين.
إن أكثر ما تحتاجه باكستان اليوم هو الدعم الكبير لرفع المعاناة عن أكثر من عشرين مليون شخص متضرر من هذه الكارثة وليس تأجيج الخلافات السياسية بين الباكستانيين أنفسهم وكذلك الأطراف الدولية غير الراضية عن أداء باكستان في محاربة الإرهاب.
باكستان اليوم بحاجة إلى وقفة دولية وأخرى داخلية كبيرة تبعدها عن سعي الكثيرين للنهش في جسد هذا البلد وهي فرصة للدول الكبرى من أجل كسب قلوب الباكستانيين إذا ما أرادوا بالفعل النجاح في تلك المنطقة.
يجب على الجميع ان يتركوا اختلافاتهم وخلافاتهم السياسية على جنب ويهتمون بمسألة حماية باكستان من الفشل والسقوط في الفوضى، كيف لا وباكستان في الأساس وقبل هذه الكارثة الطبيعية كانت مصنفة من ضمن الدول العشر الأكثر فشلاً في العالم.
للأسف أنه وفي غياب المسؤولية المشتركة من قبل الداخل والخارج فإن هذه الكارثة الإنسانية قد تتبعها كارثة سياسية ستُنتج بلداً ضعيفاً غير قادر على مواجهة التحديات التي ستتفاقم بشكل أكبر مع تزايد الغليان الشعبي داخل باكستان والذي تغذيه جماعات داخل البلاد لا تريد للحكومة الباكستانية النجاح وفي مقدمتها المعارضة الباكستانية وحركة طالبان.
جامعة الإمارات