ليس من المبالغة في شيء القول بأن المفاوضات المباشرة بين السلطة الوطنية الفلسطينية وبين حكومة بنيامين نتانياهو والتي ستبدأ في الثاني من الشهر القادم في واشنطن، قدمت على مدى الأسابيع الاخيرة ولا تزال تقدم نموذجين واضحين لكيفية التعامل وادارة الموقف من جانب كل من اسرائيل والفلسطينيين، ومحاولة كل طرف تحقيق افضل ظروف مواتية له لتحقيق الأهداف والمصالح التي يريد تحقيقها على مائدة المفاوضات، أو على الأقل على الصعيد الاعلامي الذي تزداد أهميته في التعامل سواء على الأصعدة الداخلية لكل طرف، أو مع الأطراف الأخرى – دولية واقليمية – المعنية بعملية السلام وما قد تتمخض عنه المفاوضات المرتقبة في العاصمة الأميركية.

فاسرائيل، وبالرغم من أنها القوة التي تحتل الأراضي الفلسطينية، والتي تنتهك القانون والشرعية الدولية والتي تمارس كل يوم كل أعمال التعسف في حق الشعب الفلسطينى في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلين، إلا أنها حرصت، في الأسابيع الاخيرة بالذات، على تقديم نفسها على أنها تريد التوصل إلى تسوية من خلال المفاوضات، بل والالحاح على واشنطن للتدخل من أجل ذلك.

وبالطبع لم يكن ذلك رغبة في السلام أو في التفاوض من جانب حكومة نتانياهو الهشة، كما أنه لم يكن ادراكا مفاجئا لمصلحة اسرائيل في التوصل الى اتفاق سلام في هذه الظروف، ولكنه كان في الواقع، ولا يزال، مناورة محسوبة، ومتعددة الاهداف أيضا، من جانب رئيس الوزراء الاسرائيلي نتانياهو الذي يهمه في المقام الأول الابقاء على حكومته لأطول مدة ممكنة في الحكم، مع الحفاظ على العلاقات التي تم ترميمها مع الادارة الامريكية، خاصة بعد ان عدلت إدارة أوباما الكثير من المواقف والتلميحات التي صدرت في الفترة الماضية وأعادت التأكيد على متانة وعمق ترابط المصالح الأمريكية الاسرائيلية.

ولأن نتانياهو يريد الحفاظ على ما بناه مع الرئيس الأميركي خلال زيارته الأخيرة لواشنطن، فإنه لجأ إلى لعبة اسرائيلية مشهورة لتوزيع الادوار وإدارة الموقف بحيث يبدو نتانياهو وكأنه على وشك الاطاحة به، وبأنه يبذل قصارى جهده للاستجابة للرغبات الأميركية في المضي قدما في المفاوضات، بل إنه قد يدفع بعض الثمن لذلك من خلال الهجوم عليه أوتهديد إئتلافه، وهو ما قام ويقوم به ليبرمان وغيره داخل حكومة نتانياهو. ويكفي متابعة ما يجري في اسرائيل لنتبين جوانب وأبعاد ما يريد نتانياهو زرعه في أذهان الكثيرين حول ما يمكن الوصول إليه في المفاوضات القادمة.

وفي حين يحرص نتانياهو على الاستفادة، حتى من معارضيه الحقيقيين أو الشكليين في إطار لعبة توزيع الأدوار، فإن الصورة مختلفة تماما على الصعيد الفلسطيني، خاصة بين فتح وحماس. فالأمر ليس توزيعا للأدوار في إطار المصالح الفلسطينية العليا، ولكنه للأسف الشديد خلافات مريرة تستخدم فيها كل أسلحة التشويه والإدانة المتبادلة لإضعاف كل طرف للآخر دون إدراك أن قوة أو ضعف أي جانب فلسطيني، حتى ولو كان فصيلا صغيرا، يؤثر بالضرورة على قوة المفاوض الفلسطينى في واشنطن، لأن مصير القضية ومستقبل الدولة الفلسطينية يتسع بالتأكيد ليشمل كل الفلسطينيين دون استثناء بغض النظر عن مواقف هذا الفصيل او ذاك، بعيدا عن وهم التخلي او التنصل من المسؤوليات تحت زعم او آخر.

على أية حال تظهر عملية الاستعداد للمفاوضات المباشرة القادمة في الثاني من الشهر القادم اختلافا كبيرا في التعامل وإدارة الموقف بين اسرائيل والفلسطينيين، وحتى العرب على الصعيد الجماعى كذلك، ففي حين يوظف الاسرائيليون خلافاتهم لمصلحة الدولة الاسرائيلية المتفق عليها فيما بينهم، يدير الكثيرون على الجانب العربي خلافاتهم بما يحرمهم في النهاية من أوراق تبددها الخلافات العبثية والقصيرة النظر.