الرئيس الأميركي يصعب المواقف، بتدخله غير الضروري، في الجدال المحلي وإشعاله. الاقتصاد الأميركي يعاني من نمو متعثر، وبطالة مرتفعة، وعجز قياسي في الموازنة.

وخمسون في المائة من الأميركيين الآن لا يؤيدون طريقة معالجة أوباما لهذه المشكلات. إذن، لماذا يعول أوباما على قضايا ساخنة يمكن فقط أن تؤدي إلى استقطاب الناس من دون حل أي شيء؟

في الصيف الماضي، دخل البروفيسور هنري لويس غيتس من جامعة هارفارد، وهو أستاذ في أدب وتاريخ الأميركيين الأفارقة، في خلاف سخيف مع شرطي محلي.

لسبب ما، سارع الرئيس أوباما، زعيم العالم الحر، إلى إصدار حكمه وليعلن بسخاء أن ضابط الشرطة جيمس كراولي والشرطة المحلية في كامبريدج، بولاية ماساتشوسيتس، تصرفوا بغباء.

ولزيادة الطعم حلاوة، أضاف أن الشرطة، بصفة عامة، تميز بين الناس بطريقة خاطئة. واعتبر أنصار أوباما تصريحاته تلك، «لحظة تعليمية».

ومررت ولاية أريزونا أخيرا مشروع قانون يهدف إلى دعم قانون الهجرة الموجود بالفعل، ووقف النزوح الهائل من الأجانب على الولاية. جماعات مختلفة من بينها الحكومة الفيدرالية نفسها سارعت بوضع خطط لرفع دعوى قضائية على الولاية. لكن استطلاعات رأي عدة أشارت إلى أن 70% من الأميركيين يؤيدون قانون الولاية، وأن عشرات الولايات الأخرى تعتزم أن تحذو حذوها.

ورغم ذلك، قفز الرئيس الأميركي مجددا وسط هذا الجدل الحاد، حتى قبل أن يسري مفعول القانون. زعم أوباما ومدعيه العام أن أريزونا تشجع التمييز، مع أن الشرطة مُنعت من التعرض للذين ليست لهم سوابق مع سلطات تنفيذ القانون.

أحدث شيء في هذا الصدد، هو عندما تناول أوباما موضوع مركز قرطبة الإسلامي المقترح بناؤه في مانهاتن، فيما قد يعتبره أنصاره «لحظة تعليمية». القضية هنا ليست قانونية.

كلا الطرفين يعرف الحق القانوني للمسلمين في بناء مسجد في أي مكان تجيزه قواعد التخطيط المحلي. ولكن الجدل يتعلق أيضا بالفطرة السليمة، وطبيعة تمويل المشروع، والمشرفين عليه.

وبغض النظر عن ذلك، خاطب الرئيس جمهوره، الذي كان معظمه من المسلمين، قائلا إن أميركا تحترم حقوق كل الأديان، متجاهلا القضية الأساسية. وبعد يوم واحد، وفي موقف محرج، تراجع قليلا عن موقفه.

من أين نبدأ مع كل هذه «اللحظات التعليمية»؟

كل هذه القضايا الخلافية تتضمن مسائل على مستوى الولاية والمستوى المحلي، لا تتطلب تدخلا رئاسيا. وفي مثل هذه الحالات المتواصلة، لماذا يتدخل اوباما إذا كان ذلك لن يؤدي إلا إلى بث الفرقة بين الملايين.

نعرف جميعا أن الرئيس أوباما لديه عادة سيئة، هي تفنيد دوافع من يختلف معهم في الرأي. في قضية غيتس، سارع إلى إدانة كراولي والشرطة. لم يُنظر إلى مسؤولي أريزونا على أنهم راغبون فقط في تطبيق القانون الاتحادي، ولكن اعتبروا متعصبين يضايقون أبناء الأقليات عندما يخرجون للتنزه.

لاحظوا أن القضايا الثلاث تنتقص من أداء الرئيس في الاستطلاعات وتناقض الصورة السابقة عنه كموفق ومعالج.

ومرة أخرى، لماذا يخرج أوباما عن النص ليقدم العظات بشأن هذه القضايا البسيطة، التي تدعم معارضيه وتزيد صعوبة موقف أنصاره الديمقراطيين.

أولا أن تقديم العظات بشكل ارتجالي في قضايا غريبة أمر أسهل بكثير من التعامل مع اقتصاد سيء، وحربين، وتوتر متصاعد في الخارج.

إلقاء العظات يختلف كثيرا عن جمع الأصوات في الكونغرس، أو تفنيد تقارير في مؤتمرات صحافية، أو التعامل مع المعتدين في الخارج، ومن الممكن أيضا أن تحول انتباهنا بعيدا عن ارتفاع البطالة إلى 10%، وعن حكومته المثقلة بالديون.

ثانيا، قضى أوباما معظم حياته بصحبة أكاديميين ومحامين، وصحافيين، ومنظمي أحداث. أصحاب هذه الثقافة، ضيقة الأفق، يميلون إلى إلقاء العظات والمحاضرات على الآخرين، أكثر من رجال الأعمال، والجنود، والأطباء، والمزارعين، الفاعلين الذين يندر وجودهم في حكومته.

ثالثا، يتبنى أوباما اتجاها نقديا واسعا يجمع بين العرق والطبقات والجنس في نظرته للولايات المتحدة. لكن قصة أميركا ليست بالضرورة قصة شعب مزدهر ومستقل بشكل خاص، أو دستور فريد من نوعه، أو ماض نابض بالحياة في نشر الحرية في العالم، ولكنها قصة سحق الأغلبية للجماعات الأخرى.

من الواضح أن هذه الأمثلة للمظالم المحلية قد ألهبت حماس الرئيس الأميركي ، ودفعته إلى الإعلان المتسرع، من دون دليل، أن الأغلبية أو الحكومة في كل قضية كانت متحيزة أو غير عادلة.

على أوباما أن يتذكر أن الرؤساء الناجحين يبنون جسورا من أجل حل مشكلات وطنية ودولية. ويتركون مسألة الاستقطاب في الخلافات المحلية لمنظمي الفعاليات الاجتماعية والناشطين الحزبيين.

أستاذ في جامعة ستانفورد الأمريكية

opinion@albayan.ae