هذا شهر للوحدة الإسلامية في كل أجزاء الأمة الواحدة على اختلاف مطالعه، حينما يتوحد المسلمون في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب على اختلاف مذاهبهم وقومياتهم وأوطانهم بمشاعرهم في صيامهم وصلواتهم وفي قيامهم على المنهج القائد لرسول الإسلام العظيم، الذي ما أرسله الله للبشرية إلا رحمة ونورا وعدالة وسلاما للبشر أجمعين، ذلك النبي العربي الذي حمل رسالة التوحيد لله في العالمين، ودعوة التوحيد بين المسلمين.

وعندما يتوحد جميع المسلمين في أنحاء الدنيا بعقولهم وبقلوبهم في العقيدة الواحدة توحدهم العقيدة الواحدة، وعندما يلتقون على كلمة «لا إله إلا الله» توحدهم كلمة التوحيد، و عندما يتجمعون على حب النبي عليه الصلاة والسلام وحب آل البيت الكريم وصحابته رضي الله عنهم أجمعين يوحدهم الحب على اختلاف مذاهبهم وأعراقهم واجتهاداتهم.

هذا الشهر الذي يوحد مشاعر المسلمين، هو مناسبة ثقافية للحوار بين علمائهم على اختلاف مذاهبهم، وبين علمائهم وأمرائهم على اختلاف سياساتهم، كما علمنا نبينا الكريم بقوله: «طائفتان من أمتي إذا صلحتا صلحت الأمة وإذا فسدتا فسدت الأمة.. العلماء والأمراء»، مناسبة للحوار وللتكامل والتكافل لحل مشاكل الأمة، ولمناصرة قضايا المسلمين لتحقيق الحرية والعدالة والحقوق الإنسانية.

الحرية من العبودية لغير الله من البشر ومن التبعية لغير رسول الله عليه الصلاة والسلام، والحرية من الاحتلال الصهيوني في فلسطين والجولان وجنوب لبنان، والأميركي في العراق وأفغانستان وباكستان، وتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمجتمعات الإسلامية بالتكامل المتبادل وبالتنمية المشتركة لتحقيق الكفاية والعدل، بهدف ألا يبقى فقيرا ولا مظلوما بين المسلمين طبقا للقول النبوي الشريف «أموال الأغنياء تسع الفقراء».

هو شهر القرآن مصدر النور الإلهي العظيم لهداية البشر أجمعين، عندما يكون مانعا لظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وحينما يبدد ظلمة الجهل باسم العلم والإظلام باسم التنوير في العقول والقلوب، على هدي سيرة حامل الرسالة الإلهية، ورسول الإنسانية عليه الصلاة والسلام، فالرسالات الدينية السماوية لا تقدم للبشرية إلا الحق العدل والحب، بينما الجهل بالحقائق أو التعصب العنصري والجمود العقلي هو الذي يصنع العداء الإنساني والخوف والكراهية، لأن الناس أعداء لما جهلوا.

وما الحساسية المرضية من الإسلام أو حالة «الإسلامو فوبيا» التي نراها تجريحا وتطاولا وسبابا بأقبح الصور في حفلات الهوس والجنون باسم التنوير وحرية التفكير والتعبير في بعض المقالات الصفراء أو الحمراء أو في بعض الرسوم في الصحافة السوداء أو على الشاشات الزرقاء في العالم الغربي أو العربي، إلا نتيجة الجهل بحقائق هذا الدين والرؤية العمياء للإسلام وللمسلمين..

وحينما نحيى هذا الشهر بإشاعة الخير ومحاصرة الشر في أنفسنا وفي غيرنا، و بعمل يوحد ولا يفرق، يقوى ولا يضعف، بعمل ينشر الفرحة بين المسلمين وبرفع المعاناة عن المظلومين والمحتاجين، فنحن في الواقع نحتفل بمبادئ الإسلام العظيمة النابعة من الله الأعظم الذي وصف رسوله بأنه على خلق عظيم، وأمرنا بطاعة رسوله بعد طاعته، والسعي للأخوة بين كل بني الإنسان، لإعمار الأرض لا تخريبها، ولحماية الحياة لا قتلها.

إن ذلك الدين العظيم لا يتناقض أبدا مع أية دعوة للعدالة أو الحرية أو التقدم، بل هو الذي يقدم للعالم أبلغ دعوة للحرية والمسؤولية والحقوق الإنسانية.، ولم ينتج التناقض المصطنع بين الإسلام والعلم أو بين الإسلام والتقدم أو بين الإسلام والحرية إلا بسوء فهم أو بسوء نية، أو بقلة علم أو بسوء فهم، سواء من بعض أبنائه أو من كل أعدائه.

والواقع أنه بقدر وحدة علمائنا وإعلامنا ومثقفينا وسياسيينا حول رسالة ديننا و احترام نهج رسولنا، بقدر ما نحترم أنفسنا.. وبقدر ما نحترم أنفسنا، بقدر ما نفرض على الآخرين احترام ديننا ورسولنا وحضارتنا وإرادتنا وأوطاننا.

إنها مناسبة لنعيد اكتشاف ذواتنا ومراجعة أنفسنا وواقعنا العربي والإسلامي لنستعيد ذواتنا ونسترجع المعنى الحقيقي لحياتنا التي أساسها التحرر من العبودية لغير الله والتخلص من التبعية لغير رسول الله، في الأمة الإسلامية الواحدة من المحيط إلى المحيط، وفي قلبها الأمة العربية من الخليج إلى المحيط حيث قبلتها الواحدة..

هذه الأمة الإسلامية الواحدة التي تعلو رايتها بتوحيد الله في السماوات، ولا تبلغ غاياتها إلا بتوحيد أهداف وصفوف وأوطان المسلمين على الأرض. مصداقا لقول الله جل في علاه: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون».

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com