هل بإمكان روسيا ودول الغرب التحول إلى حلفاء وثيقي الصلة وشركاء على الإطلاق؟ لقرون عدة انقسم المجتمع الروسي بين معارض ومؤيد للغرب. واعتبرت الإمبراطورية الروسية بأن أوروبا، إلى حد كبير، تشكل تهديداً عسكرياً، سياسياً، إيديولوجياً، واقتصادياً، وظلت في حالة تأهب، ولم تنفتح عليها بالكامل إطلاقاً.

في عام 1917 هزت البلشفية روسيا حتى النخاع، واستلهمت أيديولوجيتها من الماركسية المستوردة من الغرب، وكانت لها التزامات عالمية، حيث التزم أعضاؤها بالأخوة الدولية مع دول تعيش تحت مظلة الاشتراكية والشيوعية. لكن حلمهم سرعان ما تبخر، إذ إن الغرب الرأسمالي، وبرغم وجود متعاطفين مع الشيوعية والاشتراكية، اتخذ موقفاً معادياً.

ونتيجة لذلك ابتعدت البلشفية كثيراً عن هدفها الأصلي، وتحولت من ثورة اشتراكية عالمية إلى شوفينية سوفييتية، وهيمنة جيوسياسية في إفريقيا، آسيا، وأميركا اللاتينية في دول كانت معادية للولايات المتحدة والغرب بصورة تقليدية. وبعد عام 1945 أدت تشكيلة العداوة الأيديولوجية، في نهاية المطاف، إلى نشوء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والغرب.

وحاول بعض الزعماء السوفييت أمثال ميخائيل غورباتشوف، بوريس يلتسين، وغيرهما من الزعماء المؤيدين للغرب، وضع حد للحرب الباردة، ودمج روسيا بمجتمع الدول المتحضرة. والآن، وبعد مرور 20 عاماً على انتهاء الحرب الباردة، ما الذي يحول دون إيجاد شراكة وثيقة بين روسيا والغرب؟ هناك خمسة معوقات نستعرضها في ما يلي:

أولًا، أن ذكريات الحرب الباردة تلعب دوراً كبيراً في هذا الشأن، فبالنسبة للروس كان الغرب ككل يعتبر عدوهم اللدود، وما زال العديد من أبناء الشعب الروسي يعتقدون أن الغرب لديه نوايا عدوانية تجاه روسيا. فتمدد حلف «ناتو» شرقاً، ومحاولة الولايات المتحدة الهيمنة على العالم، كل هذا يؤكد شكوك روسيا تجاه النوايا الأميركية.

ثانياً، تعتبر النزاعات الجيوسياسية عائقاً آخر في العلاقات الروسية- الأميركية، فروسيا لها تاريخ طويل وحافل كقوة عظمى، ولن توافق على لعب دور التابع على مستوى العلاقات الدولية، وأيضاً على المستوى الأوروبي. وعلاوة على ذلك فإن العامل الذي فاقم تردي العلاقات الروسية- الأميركية هو عدم اعتراف واشنطن بالكامل بحق موسكو بأن تكون زعيمة إقليمية ضمن الحيز السوفييتي السابق.

ثالثاً، المواقف السياسية المعارضة تمنع هذه الشراكة، فالغرب يعارض ما يرى أنه سلطة استبدادية متنامية في روسيا، في حين أن موسكو تعتقد أن الغرب يتدخل في الشؤون الداخلية الروسية، تحت ذريعة أنه يدعم المؤسسات الديمقراطية، يحدوه هدف ثابت يتمثل في إثارة القلاقل، وربما العمل على تحطيم روسيا، وتفكيك مؤسساتها.

رابعاً، يعقد الصراع الاقتصادي بين روسيا والغرب العلاقات الثنائية بينهما. وكموردة للطاقة تحبذ روسيا الأسعار المرتفعة لنفطها وغازها. أما أوروبا فإنها تحبذ، كمستهلكة، أن تكون أسعار الطاقة منخفضة.

ولا تألو موسكو جهداً في الهيمنة على سوق الطاقة الأوروبي، لكن الدول الأوروبية تحاول منع حدوث ذلك، بسبب الاقتصاد الروسي المتأخر، وهذا ساهم في نشوء صراعات مستمرة حول جودة المنتجات والمعايير البيئية.

أخيراً، فإن الفساد المستشري، العالي المستوى، والجريمة المنظمة في روسيا يخيفان المستثمرين الأوروبيين والأميركيين، الذين يعتبرون روسيا ممراً لتهريب المخدرات، والهجرة غير الشرعية من أوراسيا.

ولكن على الرغم من هذه المعوقات الواضحة، لا تزال هناك كثير من الإمكانيات لتقوية الشراكة الروسية- الأوروبية، والقوة الدافعة وراء هذا التحول الطبيعي هي الحاجة الضاغطة لروسيا لتحديث اقتصادها وتنويعه.

صحيفة «موسكو تايمز» الروسية