لطالما أثارت إسرائيل الشكوك حول مدى أهلية فريق التفاوض الفلسطيني للجلوس إلى مائدة الحوار، مستغلة في ذلك الخلافات بين فتح وحماس. ولكن الواقع يشير إلى أن الجانب الإسرائيلي نفسه هو الذي لا يتمتع بأهلية التفاوض، ولا يملك القدرة على تحديد أهدافه بشكل واضح، ذلك لأن الخلافات السياسية بين أجنحة الائتلاف الحاكم في إسرائيل ـ الذي هو عبارة عن خليط من ذوي الأهواء والنزعات الشخصية ـ تجعل من المتعذر تمامًا توصلهم إلى اتفاق على فريق تفاوض متجانس يعرف هدفه بوضوح.

ويبدو من طلب نتنياهو من البعثة العسكرية الإسرائيلية في واشنطن تنسيق إجراءات زيارة الوفد الإسرائيلي المفاوض مدى عمق الخلافات الناشبة بين أركان الحكومة الإسرائيلية، وخاصة في ثنايا وزارة الخارجية التي طلب موظفوها من بعثتهم الدبلوماسية في واشنطن مقاطعة الوفد الإسرائيلي المفاوض، ضمن نزاع داخلي في الوزارة يقال إنه بسبب "الرواتب".

فكيف يضرب عن العمل موظفو وزارة خارجية دولة تخوض مفاوضات سلام مباشرة؟! إضافة إلى ذلك من المعلوم أن وزير خارجية إسرائيل نفسه ليس دبلوماسيًّا أصلًا، وتاريخه لا ينم عن أي ثقافة دبلوماسية، فماذا يتوقع حسنو النية في العواصم المعنية بقضية سلام الشرق الأوسط أن يستطيع الوفد الإسرائيلي خوض مفاوضات ناجحة وهو على هذه الشاكلة؟!

إن تكرار تحميل الجانب الفلسطيني مسؤولية فشل مسيرة السلام، ما هو إلا غطاء للتناقضات الضاربة أطنابها في ثنايا الحكومة الإسرائيلية إلى حد الاستعصاء المطلق والفشل في ترتيب الأوراق التفاوضية، ومن ثم يكون التحرك العسكري دائمًا هو المرجح حتى في الترتيب لسفر وفد مفاوض، ناهيك عن التحركات العسكرية العدوانية الدائمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة بهدف إفشال أي مشروع سلام.

وقد يقول قائل إن هذه المشكلات مفتعلة لإفشال المفاوضات، وتجنبًا للضغوط الخارجية المتوالية على تل أبيب للجنوح نحو التفاوض السلمي لحل الصراع. ولكن الكثير من الشواهد تؤكد أن الإسرائيليين ليسوا نسيجًا اجتماعيًّا أو سياسيًّا واحدًا، ومن ثم فتركهم يشكلون معالم الطريق نحو المفاوضات حسب هواهم هو أحد أكبر معوقات الحل السلمي، ولعنا نلاحظ الفرق بين آلية التفاوض على الجانب الفلسطيني ومثيلتها على الجانب الإسرائيلي، فالفلسطينيون ينسقون مع جامعة الدول العربية من أجل تشكيل ملامح وحدود العملية التفاوضية، ويطرحون الحلول ويظهرون المرونة استنادًا إلى قاعدة عريضة من الرأي العام العربي، وكذلك القنوات السياسية الدائمة للقضية الفلسطينية مثل اللجنة الرباعية العربية لمتابعة ملف القضية.

بحيث تتم العملية التفاوضية على المستوى المطلوب رغم النتائج غير المشجعة التي يتوصلون إليها على أثر كل جولة تفاوضية، ولعل الخلاف الحالي في ثنايا الحكومة الإسرائيلية حتى على ترتيب إجراءات زيارة وفدها المفاوض إلى واشنطن، يعطي مؤشرًا أكثر وضوحًا عن أحد أهم أسباب المعوقات التي تعترض طريق السلام والاستقرار في المنطقة، وهو ما يستدعي ضرورة تدخل أطراف دولية بقوة وفعالية لضبط مسار العملية السلمية، وإجبار الجانب الإسرائيلي على أن يكون أكثر وضوحًا وانتظامًا وجدية حتى لا يصبح التفاوض مجرد وسيلة لاستهلاك الوقت.