يحاول بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، تبرير تمسكه بمسألة مواصلة عمليات التهويد والاستيطان في مناطق الضفة الغربية ومناطق القدس، في سياق سعيه للمحافظة على ائتلافه الحكومي، وحمايته من التصدع والانشقاق، بما في ذلك شريكه الأساسي في الائتلاف الحكومي ممثلاً بحزب العمل ورئيسه الجنرال إيهود باراك.. في محاولة للهروب هذه المرة من مطالب العالم بأسره وصرخاته المنادية بوقف عمليات الاستيطان.

وبالطبع، فان حزب العمل الإسرائيلي لم يكن معارضاً في الأصل لاستمرار عمليات التهويد والاستيطان، بل ولم يصدر عنه أي انتقاد أو حتى استفهام حول سياسات نتانياهو، حيث تبدو الحالة الداخلية لحزب العمل الإسرائيلي والأحزاب والقوى المحسوبة على ما يسمى بأحزاب «اليسار الصهيوني» ككل، ومنذ سنوات طويلة، أكثر تعقيداً من حال حزب الليكود وأحزاب اليمين، نتيجة وصولها إلى شفير الهاوية والإفلاس الداخلي في الوسط اليهودي داخل فلسطين المحتلة عام 1948.

فضلاً عن سقوط مصداقيتها عند الجمهور الليبرالي الصهيوني، بعد سلسلة الهزائم التي لحقت بتلك الأحزاب، وحالة التخبط التي عاشتها وتعيشها، وخصوصاً مع الانتكاسات التي أصابت عملية التسوية ذاتها على المسارات الفلسطينية والسورية واللبنانية مع الدولة العبرية الصهيونية.

فقد باتت في حقيقة الأمر قوى متراجعة في حضورها داخل الوسط اليهودي في إسرائيل، وداخل أوساط المستوطنين في مستعمرات القدس والضفة الغربية، حيث تمايلت قطاعات منها جيئة وذهاباً مع تمايل السياسات والانتقالات بين وداخل صفوف الأحزاب ذاتها، وتفاقمت أزماتها مع انسداد أفق التسوية على المسار التفاوضي الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

في هذا السياق فإن الحالة الداخلية لما يسمى باليسار الصهيوني يرثى لها، فالتفكك والتباين قائم بقوة بين أطرافه ذات المنابت الفكرية والحزبية المختلفة. فهناك تيار مؤثر داخل أحزاب «اليسار الصهيوني» يتماهى مع عتاة اليمين الصهيوني.

وعبر عن قناعاته بوضوح حين شارك رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت في عدوانه على قطاع غزة أواخر 2008 وأوائل 2009، حين كشف هذا العدوان سياسة النفاق التي دأبت على ممارستها «أحزاب اليسار الصهيوني»، خصوصاً «حزب العمل»، الشريك الفعلي لحزب الليكود في موقع القرار في الدولة العبرية الصهيونية.

ويزيد التيار المشار إليه أعلاه من التنظير لسياسة القوة والغطرسة الإسرائيلية من خلال القول بأن «نتانياهو لا يستطيع وحده، أن يمسك بيده زمام السلطة، فهو بحاجة إلى تأييد من مركز الحلبة السياسية»، حيث يقف العديد من أحزاب اليسار الصهيوني المتناثرة، إضافة لحزب العمل في موقع الجاهزية لمساعدة نتانياهو في مواقفه الأخيرة بصدد الاستيطان.

فضلاً عن تبني الشعار الذي كان يستخدمه رئيس الوزراء الأسبق والقيادي التاريخي في حزب العمل الجنرال إسحاق رابين، والذي يدعو إلى إدارة المفاوضات ومواصلة الاستيطان كأنه لا يوجد «إرهاب»، ومحاربة «الإرهاب» كأنه لا توجد مفاوضات.

ومن المنطقي القول بأن تماهى ما يسمى بأحزاب «اليسار الصهيوني»، لا يعني البتة أن التجمع الاستيطاني اليهودي على أرض فلسطين التاريخية عبارة عن كتلة هامدة جامدة، لا تخضع لعملية التغيير ولو البطيء مع الزمن.

فالتجمع اليهودي الاستيطاني داخل حدود الدولة العبرية في فلسطين المحتلة عام 1948، وداخل المستعمرات المقامة فوق الأرض المحتلة عام 1967، يخضع بالضرورة لعوامل التغيير ومنطق جدلية الواقع في صيرورته، وللحراك اليومي في ظل تعقيدات الصراع في الشرق الأوسط، واكتظاظ روافع الدفع والإحجام في التفاصيل اليومية.

وتالياً يمكن تفسير انطلاق أصوات ودعوات البعض القليل من أطياف «اليسار الصهيوني»، وانبعاثها من داخل الخارطة السياسية الإسرائيلية، وتبنيها لحركات «السلام والاحتجاج» في إسرائيل، رغم أنها ما زالت إلى الآن فاقدة للرؤية البعيدة، وتبقى فاقدة لمصداقيتها ما لم تتبن موقفاً واضحاً يلتزم بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ويلتزم بمبدأ إنهاء الاحتلال.

فالخلاف والتنازع بين القوى والحركات السياسية المنضوية تحت أعمدة الفكرة الصهيونية، ومنها أحزاب «اليسار الصهيوني»، لا يتعلق بالأهداف العليا، وإنما بوسائل اجتراح الأهداف وترتيب الأولويات على مراحل تاريخية، وأساليب مخاطبة الآخرين وحدود بناء التحالفات معهم.

فاليسار معروف عموماً بنزعته الديمقراطية والإنسانية وسلوكه الحقوقي الذي يميل إلى الاستقامة، وجنوحه إلى السلم وميله إلى قيم العدالة والتسامح وإنصاف المظلومين واعترافه بحقوق الشعوب في تقرير مصائرها.. فأين الموصوفون باليساريين في إسرائيل من هذه المثل؟

أيضاً، وفي الجانب المتعلق بمفهوم «اليسار الإسرائيلي»، فإن العبارة إياها أصبحت «مطاطة»، «تضمر وتتسع» تبعاً للتحولات والتقلبات التي جرت وتجري داخل المجتمع الإسرائيلي.

فاليسار الإسرائيلي يتشكل من طيف عريض من القوى التي تضم ما يسمى أحزاب «اليسار الصهيوني»، من حمائم حزب العمل، مروراً بكتلة أحزاب ميرتس، فضلاً عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) وهو حزب مختلط (عربي ويهودي).

وعلى هذا، فإن التحولات التي جرت وتجري في المنطقة منذ بدء عملية التسوية عام 1991، والتي تركت آثارها داخل المجتمع الإسرائيلي، وتحديداً داخل التجمع اليهودي، أدت إلى تغيير متواصل في ترتيب نسق الاصطفافات والائتلافات الحزبية الإسرائيلية، أكثر من مرة على امتداد العقدين الماضيين.

وبالإجمال، لا يمكن التعويل على دور نافذ أو مؤثر لما يسمى «قوى اليسار الإسرائيلي»، تجاه القيام بأي دور إيجابي على صعيد إعادة النظر في صيغة العملية السياسية التسووية على المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

إن ما يسمى باليسار الإسرائيلي ينظر إلى قرارات الشرعية الدولية، وخاصة القرار 242 باعتباره أساساً للتفاوض، وليس قرارا للتنفيذ، وأن الكيان الفلسطيني العتيد ينبغي أن يولد وفق مواصفات إسرائيلية.

كاتب فلسطيني

bdwan60@aloola.sy