ما الذي يجعل الرأي العام العربي، بما في ذلك الرأي العام الفلسطيني، يتخوف من «المفاوضات المباشرة» بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل؟

التخوف ليس من مبدأ التفاوض كوسيلة حضارية للتوصل إلى اتفاق، وإنما من أن إسرائيل تدخل العملية التفاوضية وقد توصلت إلى قناعة مشتركة مع الولايات المتحدة، بأن الجانب الفلسطيني قد أصيب بحالة من الإرهاق السياسي من تراكمات الضغوط الأميركية والمماطلة الإسرائيلية، بحيث إنه أصبح جاهزاً لبذل المزيد من التنازلات في قضايا الوضع النهائي الجوهرية..

بالتالي فإن العملية التفاوضية ستتخذ مسارا قد ينتهي بالجانب الفلسطيني إلى قبول اتفاق نهائي، مبنى على الأجندة الأساسية الإسرائيلية.

على مدى 17 عاماً من اتفاق أوسلو وحتى الآن، تتمسك الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بأجندة تستهدف تصفية قضية المصير الفلسطيني.

وعندما أصدرت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قبل بضعة أيام، دعوتها إلى عقد جولة جديدة من المفاوضات المباشرة حدد لها الثاني من سبتمبر موعداً، شخص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى منبر صحفي معلناً «الشروط الإسرائيلية» للتفاوض، بما يفيد تجديد العزم على كتابة الفصل الأخير في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بمداد يهودي.

على رأس شروط نتانياهو المعلنة، وضع ترتيبات أمنية «مرضية لإسرائيل». هذه الصيغة اللفظية قد تبدو مبهمة، إذا قرئت خارج سياق التفاصيل التي سبق ان أعلنها وكررها رئيس الحكومة الإسرائيلية.

وفي مقدمة هذه التفاصيل أن الترتيبات الأمنية تشمل سيطرة احتلالية مستديمة لغور الأردن.. أي أن تكون أرض «الدولة» الفلسطينية المستقبلية محاطة بحزام عسكري إسرائيلي، بحيث لا يكون لها خط حدودي مع الأردن.

ما هي إذاً حدود «الدولة» الفلسطينية؟ إنها في التصور الإسرائيلي المعتمد، ليست دولة لها رقعة أرضية متماسكة. هي ثلاثة كانتونات معزولة عن بعضها البعض بكتل استيطانية يهودية.

هذا من المنظور الجغرافي ـ الديمغرافي. أما من المنظور السياسي فإنها ستكون «دولة» بلا سيادة وطنية: كيان منزوع السلاح، فليس له جيش، ولا يمارس سيادة على أجوائه ولا على مصادر المياه فيه، ولا على شؤون العلاقات مع العالم الخارجي.

الشرط الإسرائيلي في الأجندة الإسرائيلية، هو أن يعترف الجانب الفلسطيني مسبقا بأن إسرائيل دولة خالصة لليهود. وبذلك تسقط قضية اللاجئين الفلسطينيين نهائيا، فلا عودة لفلسطينيي «48» إلى موطنهم الذي تحول إلى وطن قومي يهودي بالكامل.

هذه هي الغاية من عقد المفاوضات المباشرة من المنظور الإسرائيلي. وربما، والحال كذلك، ترفض قيادة السلطة الفلسطينية المشاركة في التفاوض. ولكن ماذا لو وافقت على المشاركة؟ في هذه الحالة ربما تجد السلطة الفلسطينية نفسها مضطرة تحت استمرار الضغوط الأميركية، إلى قبول وضع معدل للمخطط الإسرائيلي، لا يختلف جوهريا عن الوضع الأصلي..

أو ربما يصل المسار التفاوضي تحت إصرار الجانب الفلسطيني على رفض الأجندة الإسرائيلية بالكامل إلى نقطة الصفر، فتنتهي العملية التفاوضية دون اتفاق.

ويبقى سؤال كبير: متى تنتهي أسطورة الصراع العربي ـ الإسرائيلي؟ السؤال مفتوح على المدى الأبعد.. بمعنى؛ هل من الممكن تصور نهاية «نهائية»؟

هذا السؤال الكبير طرحته في صحيفة «التايمز» اللندنية، الكاتبة البريطانية المرموقة «مارغريت آتوود». لقد ركبت الكاتبة هذه المقامرة الفكرية، فطرحت سبعة سيناريوهات مستوحاة مما أسمته «الخيال الواقعي». فماذا قالت؟السيناريو الأول هو نهاية وجود إسرائيل، نتيجة لنشوب حرب شاملة في الشرق الأوسط.

السيناريو الثاني هو نهاية فلسطين، بأن تطبق إسرائيل مخطط «الكانتونات» بنجاح.

في السيناريو الثالث تدمج فلسطين في الكيان الإسرائيلي، أي «حل الدولة الواحدة»، بأن تكون إسرائيل دولة ذات طابع يهودي يعتبر فيه الفلسطينيون مواطنين بلا حقوق.

السيناريو الرابع هو حل الدولة الموحدة، على أن تكون دولة مساواة ديمقراطية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

في السيناريو الخامس ينتهي وجود إسرائيل وفلسطين معا، نتيجة لحرب نووية في المنطقة.

في السيناريو السادس ينتهي أيضا وجود إسرائيل وفلسطين، لكن بسبب تداعيات التغير المناخي العالمي، فتتحول المنطقة إلى صحراء جرداء.

السيناريو السابع والأخير هو الذي تحبذه الكاتبة البريطانية، وهو «حل الدولتين»: دولة فلسطينية كاملة السيادة تعيش في سلام، جنبا إلى جنب مع دولة إسرائيل.

لا ندري أي من هذه التكهنات سوف يتحقق، ولكن في كل الأحوال هناك عاملان ثابتان لا بد من أخذهما في الاعتبار:

أولًا؛ أن الرؤية الإسرائيلية إلى فلسطين تنطلق من عقيدة دينية، باعتبار أن الضفة الغربية أرض «مقدسة» موهوبة إلهياً لشعب بني إسرائيل.. فهي «أرض الميعاد».. الأمر الذي يجعل التعامل مع إسرائيل عبر وسيلة التفاوض وحدها، عبثا لا طائل وراءه.

ثانيا؛ أن تاريخ حركات التحرر من أي استعمار أجنبي، يفيد بأن المقاومة الناشطة طويلة المدى هي السبيل الأوحد لتحرير الأرض.. فما بالك إذا كانت الحالة هي حالة استعمار استيطاني؟

يبقى السؤال الأخير: هل بوسع القيادة الفلسطينية أن تستخلص ما ينبغي استخلاصه من هذين العاملين الثابتين؟

كاتب صحفي سوداني

hisham200775@yahoo.com