أضاعت الحكومة العمالية في أستراليا فرصة ثمينة للفوز بانتخابات بدا أن خسارتها مستحيلة، إذن ما الخطأ الذي وقع؟

نتائج هذه الانتخابات الأخيرة بدت كلغز. فمن ناحية كانت هناك حكومة عمالية، تعاملت مع الأزمة المالية العالمية بصورة أفضل من أي دولة متقدمة أخرى تقريبا.

ومن ناحية أخرى كانت هناك إدارة حكومية واجهت واقع الوضع البيئي الأسترالي، وتمثلت القيود بموارد مائية وأراض زراعية محدودة، وتعرض البلاد للحرائق، الفيضانات، الجفاف، وغيرها من المخاطر التي تفاقمت بسبب التسخين الأرضي.

وهناك كانت زعامة تخطط لفرض ضرائب أكثر منطقية على قطاعات مختارة من السكان، تتحكم في أهم مصادر البلاد.

وكانت الحكومة جاهزة للتخلص من أسطورة «أستراليا الكبرى»، التي كان يمكن نفخها وتحويلها إلى حجم يضاهي حجم الدول العظمى، من خلال الهجرة والاستغلال الخطير جداً لمواردها المعدنية، لكنها استقرت عوضا عن ذلك على رؤية مستقبلية أكثر تواضعا.

وحملت سياسة كبح الجماح هذه، التي طبقتها، في طياتها إمكانية بذل اهتمام أكبر بالتفاوت الاجتماعي، الذي ازداد في القارة الأسترالية في السنوات الأخيرة. وحظيت هذه السياسية بتأييد شريحة كبيرة من أفراد المجتمع الأسترالي.

إذن، كيف ترجم ذلك الإنجاز إلى نتائج في غاية الكآبة في صناديق الاقتراع، بحيث سيؤدي إلى تحول حزب العمال الحاكم إلى المعارضة، أو إذا احتفظ بأغلبية ضئيلة، في حال بقائه في السلطة، فهل ستوفر له الدعم حفنة من أعضاء البرلمان المستقلين وحزب الخضر؟

الجواب على ذلك يعتمد على سلطة قطاعي التعدين والطاقة في البلاد، وما يتبعه من فقدان للأعصاب في وجه هذه السلطة المهيمنة، التي أدارها اثنان من زعماء حزب العمال على التوالي، هذا بالإضافة إلى التصميم والعزم الراسخ الذي يتمتع به زعيم الحزب القومي الليبرالي المعارض.

لقد كان رئيس الوزراء الأسترالي السابق كيفن رود يحظى بشعبية كبيرة، لكنه فقد منصبه نظرا لأنه لم يستطع الاستمرار في سياسته التي كان يسعى لتطبيقها، دون أن يطالب بحل البرلمان بصورة مزدوجة وإجراء استفتاء عام، وتمثل ذلك خصوصا في مشروع توفير الحوافز التجارية مقابل مشكلات البيئة والانبعاثات الحرارية.

ونظرا لأن رود لم يستطع المجازفة في هذا الشأن، رأى بعض الأستراليين أنه يفتقر للشجاعة، في حين أن بعض زملائه في الحزب رأى في ذلك فرصة للتخلص من زعيم لهم يفترض أنه أصبح عبئا عليهم.

وقد فاقمت جوليا غيلارد التي أعقبته، المشكلة من خلال إدارة حملة انتخابية افتقرت للتركيز على المشكلات الحقيقية التي يعاني منها المجتمع الأسترالي، وفشلت في إبراز الإنجازات الكبيرة التي حققها حزب العمال في السابق، والمتمثلة في تقليل تأثير الأزمة المالية العالمية على البلاد، وحاولت المراوغة في قضية التسخين الأرضي.

وتتركز العيون الأسترالية الآن عبر المحيط في اتجاه بريطانيا، حيث يبدو أن الحكومة الائتلافية نجحت في تسيير دفة الحكم بصورة جيدة. لكن أوجه الشبه محدودة بين بريطانيا وأستراليا، فالحفنة الصغيرة من أعضاء البرلمان التي تستطيع إحداث تغييرات هناك.

هي من شرائح مختلفة من الأطياف السياسية. ولن يكون هناك توافق في ائتلاف يقوده حزب العمال الأسترالي، أو حكومة أقلية يدعمها المستقلون، الذين يميلون لليمين.

ولكن بالدرجة نفسها يصعب تحقيق اتفاق بين حزب الخضر الذي تدعّم كثيرا في الانتخابات الأخيرة، نظرا للاختلافات الأساسية بين الجانبين بشأن مسائل البيئة.

ودون شك سيتم التوصل إلى صياغة توافقية ما، لكن أستراليا تحتاج على المدى الطويل إلى تجديد سياسي، فالخيار بين حزب يصر على التخلص من مكاسبه، وحزب آخر يصر على تجاهل القضايا المهمة، ليس بذلك الخيار الحقيقي.