صنف دليل المدن الكونية، الذي عرضته دورية الفورين بوليسي في عددها الأخير، 65 مدينة حول العالم في ضوء معايير عدة. ورغم أن الدليل يضع الحجم السكاني كمعيار تصنيفي، إلا أنه لا يأخذ به كمعيار وحيد ومهم للتصنيف.

فبالإضافة لهذا المعيار، هناك العديد من المعايير الأخرى الأكثر أهمية، مثل قدرة المدينة على التأثير في ما وراء حدودها، وقدرتها على التكامل في الأسواق والثقافات والاختراعات الكونية. إن معيار التصنيف الرئيس هنا، يتمثل في قدرة المدينة على كسر العزلة والانكفاء الداخليين، والانفلات نحو الرحابة الكونية بجوانبها المختلفة.

تناول الدليل 65 مدينة حول العالم من التي يزيد عدد سكانها على مليون نسمة، مركزاً على تناول الأنشطة الاقتصادية ورأس المال البشري، وتبادل المعلومات والخبرات الثقافية والتفاعلات السياسية.

وهناك بعض المعايير الملموسة في التصنيف، مثل نصيب المدينة من مقار ومراكز أكبر وأغنى 500 شركة في العالم، وحجم أسواقها، وتدفق المنتجات والسلع من مطاراتها وموانئها ومصانعها.. وأخيراً عدد السفارات التي توجد فيها، ومراكز صناعة الأفكار والمؤسسات السياسية والمتاحف.

جاءت أول عشر مدن لتشمل على التوالي: نيويورك، لندن، طوكيو، باريس، هونغ كونغ، شيكاغو، لوس أنجلوس، سنغافورة، سيدني، وسول. يعني ذلك أن نصيب أميركا من أهم عشر مدن عالمية، هو ثلاث، بينما حازت أوروبا على مدينتين، وأخيراً آسيا ومنطقة الباسيفيك على خمس مدن.

وتلفت النظر في هذه المدن قدراتها الاقتصادية الهائلة، وحجم تأثيراتها الإقليمية والكونية على السواء. فنيويورك ما زالت تشكل المركز المالي الأول حول العالم، كما أن لندن تحتفظ أيضاً بدور اقتصادي لا يستهان به، ناهيك عن وضعيتها بوصفها مركزاً سياحياً مركزياً لمرتادي أوروبا.

وعلينا إلا ننسى هنا أن لندن سوف تستضيف دورة الألعاب الأولمبية الصيفية للعام 2012، حيث يتوقع أن يزورها أكثر من نصف مليون زائر.

ولا تمثل طوكيو عاصمة المال في اليابان، لكنها المدينة التي تقع في المركز الأول في العالم، من حيث عدد السكان الذي يصل إلى 7 .36 مليون نسمة بلغ خمسهم 65 سنة، بسبب نظام الخدمات الصحية المتوفرة، وهي مسألة سوف تنتج مشكلات هائلة في المستقبل، في ضوء تناقص الأيدي العاملة، وتراجع الإنجاب.

ومن الجوانب الجيدة في دليل المدن الكونية، أنه لا يقف فقط عند الجوانب الإيجابية للمدن، بل يتناول أيضاً جوانبها السلبية. فإذا كانت باريس هي مدينة الثقافة والفكر التي أوصلتها للمرتبة الرابعة على مستوى مدن الدليل.

فإنها تعاني من الازدحام المروري وارتفاع نسب التلوث التي تشوه صورتها وجمالها كمدينة كونية جميلة، وهو الوضع نفسه الذي تعاني منه جاكرتا التي جاءت في المرتبة 53 بين مدن الدليل، حيث تعتبر من أسوأ مدن العالم بالنظر للازدحام المروري والتلوث.

ووفقاً للدليل، يلاحظ أنه من بين المدن العشر الأولى، لا يوجد سوى أربع عواصم سياسية فقط، هي: لندن وباريس وطوكيو وسنغافورة، بينما جاءت واشنطن في المرتبة 13، وبكين في المرتبة 15، وبرلين في المرتبة 16، وأخيراً موسكو في المرتبة 25. ويعني ذلك أن العامل السياسي لم يكن هو الأهم في اختيار المدن وتصنيفها على مستوى كوني.

ويلفت النظر أن التنوع الثقافي واللغوي يلعب دوراً كبيراً في إثراء العديد من المدن التي تم اختيارها، سواء من خلال المهاجرين أو من خلال التعايش السلمي الذي يتم بين الأعراق المختلفة.

فثلث السكان في شيكاغو التي جاءت في المرتبة السادسة، يتحدثون لغة أخرى غير الإنجليزية في منازلهم، وهو الوضع نفسه الذي يمكن الحديث عنه في سيدني التي جاءت في المرتبة العاشرة، وبروكسل التي جاءت في المرتبة الحادية عشرة، وغيرها من المدن الأخرى التي تشتمل عليها القائمة.

لم يقتصر وضع الدليل على المدن الأميركية والأوروبية والآسيوية الغنية، وإنما شمل أيضاً بعض المدن الأميركية اللاتينية، مثل بوغوتا وكاراكاس وساو باولو، وبعض المدن الإفريقية مثل نيروبي وجوهانسبرغ، إضافة لبعض المدن الآسيوية الصاعدة مثل بكين وكالكوتا ونيودلهي وبانغالور.

وبالنسبة لعالمنا العربي، اشتمل الدليل على مدينتين فقط؛ أولاهما دبي التي جاءت في المرتبة 27 متقدمة على القاهرة التي جاءت في المرتبة 43. وبينما ركز التقرير على الدور الاقتصادي لدبي رغم تأثرها بتبعات الأزمة المالية العالمية، فإنه تناول دور القاهرة بوصفها مدينة الفكر والثقافة وأكبر مركز للنشر في الشرق الأوسط.

يمثل «دليل المدن الكونية» تصنيفاً لهذه المدن من وجهة نظر غربية، لكنه يكشف عن أهمية المدينة في عالمنا المعاصر، بشكل يتجاوز في أحيان كثيرة الدولة التي تتبعها.

فمدن مثل نيويورك أو بكين أو هونغ كونغ، تتجاوز بدرجة كبيرة السياقات السياسية والمحددات الجغرافية والاقتصادية التي تنتمي إليها، بحيث تشتبك إقليمياً وكونياً مع غيرها من مدن العالم وتصنع مصائرها. وهي مسألة تكشف بدرجة أو بأخرى عن ضعف التأثير العربي، في ضوء غياب المدن العربية المؤثرة اقتصادياً وثقافياً.. وبالطبع سياسياً!!

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com