كل أحداث لبنان المؤلمة بدأت بحادث صغير أمكن تطويقه لكن ذيوله تظل تتفاعل لتفرخ حوادث عديدة تتجمع فيما بعد لتصبح حربا أهلية، حيث سرعان ما يبدأ الاصطفاف ويبرز الوضع الطائفي اللبناني بتركيباته المعقدة لعنصر حاكم في مسار الأحداث.

لذلك ينبغي أن يتمتع لبنان بأدوات حماية وتحصين تفوق مثيلاتها في أي بلد آخر وهي مهمة شديدة الصعوبة وتفوق فيما يبدو قدرة لبنان وحده على استيفاء تلك الأدوات وهنا تأتي اهمية الدعم الكامل للبنان لتمتين قدرته على الحفاظ على مناخ السلام الاجتماعي والأمن الداخلي في هذا البلد العربي الشقيق الذي يتوسط مكانة خاصة على خارطة الوطن العربي والعالم .

الاشتباك الذي وقع أمس في غرب بيروت وإن بدا محدودا في زمنه وخسائره البشرية قياسا الى غيره من مواجهات سابقة إلا انه يحمل في طياته مضامين شديدة الخطورة لأسباب عدة منها :

أولا : أنه وقع بين فصيلين ليسا على طرفي نقيض وهو ما يؤكد وجود مؤامرة لتفتيت هذا التحالف .

ثانيا: أنه وقع بين طرفين مسلمين أحدهما سني والآخر شيعي وكانت قد أثيرت في الآونة الاخيرة أقاويل عن وقيعة تحاك حبائلها لتوظيف التباين المذهبي في لبنان في المعركة المعلنة التي تستهدف نزع سلاح المقاومة اللبنانية وهو هدف طالما سعت اسرائيل إلى تحقيقه بالعدوان المباشر أو بالوقيعة بين فصائل المقاومة وتضخيم الخلافات الصغيرة .

ثالثا: اختيار التوقيت للاشتباك امس بين عناصر من حزب الله واخرى من "الاحباش" يحمل دلالات ذات مغزى حيث نشب الاشتباك في وقت الإفطار بأحد أيام شهر رمضان وهو ما اضاف مسحة من الحزن ليس في لبنان وحدها بل في كل الدول العربية والإسلامية حيث كان من المفترض احترام مثل هذه المناسبات ومراعاة مشاعر المسلمين وحرمة الشهر الفضيل .

رابعا: إن مثل هذه الاحداث تجعل العدو الاول لمختلف فصائل المقاومة اللبنانية في شعور بألامان والثقة بالنفس لكون الخصوم يقتل بعضهم بعضا.

خامسا: الحادث وقع في ظروف مفعمة بالترقب لصدور ما يسمى بالقرار الظني المتوقع صدوره عن المحكمة الدولية المكلفة بالتحقيق في ظروف وملابسات اغتيال رفيق الحريري ويتوقع بعض المراقبين ان يكون له اثر سلبي على مناخ السلم الأهلي في لبنان ذلك المناخ الذى وفر الوقت الكافي للقيادات اللبنانية لتوحد صفوفها وراء خطط تنمية اقتصادية بالتوازي مع خطط أخرى لتسليح الجيش اللبناني وهو موقف متوازن يدل على قوة لبنان الناتجة عن حالة الاستقرار الأمني السائدة فيه والتي مكنته ايضا من فقء بعض العيون الاسرائيلية المتلصصة على حركة المجتمع اللبناني في اتجاه وحدوي قومي مقاوم للاحتلال لذلك فمن المؤمل ان ينهض محبو لبنان الى تطويق تداعيات حادث الأمس الدامي ولكن يظل الحذر من تكراره ضروريا .