انتهى الأمر رسمياً. انسحاب «لواء سترايكر» الرابع المنتمي إلى فرقة المشاة الثانية، آخر فرقة قتالية أميركية في العراق، اعتبر نهاية لما يسمى «عملية حرية العراق». وقد حققت هذه الخطوة وعد الرئيس الأميركي باراك أوباما بإنهاء المهمة القتالية التي تقوم بها بلاده في العراق، نهاية أغسطس.

ولكن، مثل اللافتة سيئة الصيت التي رفعها سلفه جورج بوش في مايو 2003 «المهمة أنجزت»، لم يفصح هذا الخبر عن القصة بأكملها. فسوف يظل عدد كبير من أفراد الجيش الأميركي في العراق، وربما يتواصل وجودهم حتى بعد الحادي والثلاثين من ديسمبر 2011، وهو الميعاد المتفق عليه بين البلدين من أجل الانسحاب الكامل.

ولا يعد وجود القوات ـ شأن هذه اللافتة غير الموفقة ـ مؤشراً على النجاح. فهو علامة فارقة أخرى على مسيرة طويلة سوف تعيد العراق للوراء إلى الوضع الطبيعي، وهي نتيجة ليست مضمونة بحال.

ففي مارس 2002، قام تحالف القوات الذي تقوده الولايات المتحدة بغزو العراق، في ما ظلّت أسباب الغزو مثار جدل، ولكن كان المقصود من الإطاحة بنظام صدام حسين، هو محو تهديد للسلام الإقليمي والعالمي، وتحويل العلاقات الدولية في منطقة الخليج وربما وراءها.

وليس من المرجح أن يكون مخططو هذه الخطوة، قد توقعوا أنها ستغير العالم كما حدث، وتضعف شرعية الولايات المتحدة، وتشغل قواتها كل هذا الوقت الطويل. خُلِع صدام من السلطة، ولكن التكلفة فلكية.

ولأي سبب؟ تمت الإطاحة بصدام، وتم تفكيك امبراطوريته، وحلّ محلّها نظام ديمقراطي، ولكن ليس من الواضح إلى أي درجة يمكن أن تمثل الحكومة في بغداد إرادة الشعب العراقي.

وازداد الانقسام بين طوائف السنة والشيعة عمقاً، في الوقت الذي يتمتع الأكراد في الشمال بترتيبات سياسية يرونها مقدمة لاستقلال حقيقي.. ولم يحدث مخاض لعملية إعادة تشكيل سياسات دول عربية، على الأقل كما كانت تتوقعه إدارة بوش.

تم إجهاض محاولة التمرد الوحشية، ولكن الاضطرابات مستمرة. وبينما يتوق الكثير من العراقيين لرؤية انسحاب القوات الأميركية من بلادهم، فإن الكثيرين منهم يشعرون بالقلق إزاء قدرة الحكومة العراقية على المحافظة على النظام، دون الاستعانة بالقوات الأجنبية.

والولايات المتحدة مدركة تماماً لهذا المزيج من المشاعر، والواقع الذي يقف وراء تكوينها. ولهذا السبب فإن إنهاء وجود القوات القتالية الأميركية لا يعني نهاية للوجود العسكري الأميركي. فهناك على الأقل 50 ألفاً من القوات في 94 قاعدة عسكرية، سوف يبقون في العراق.

ورسمياً، فمن المقرر أن ترحل باقي القوات بحلول الأول من يناير 2012. غير أن مسؤولين أميركيين اعترفوا بأنه في حال رغبة بغداد في إعادة فتح ملف المحادثات حول الميعاد النهائي، فإن واشنطن سوف تكون مستعدة للحوار. لذا، فإن البراغماتية الملحوظة التي أبداها أوباما سوف تجعله يدرس خيار تمديد الميعاد، إذا طلب منه ذلك.

ويتعين على أوباما، وأي خليفة مرتقب له، أن يمعن النظر في سؤال واحد: إلى أي درجة يسمح الوجود العسكري الأميركي في العراق للساسة العراقيين بالتصرف دون إحساس بالمسؤولية؟

وفي المقابل، هل وجود القوات الأميركية سيراقب العنف الطائفي، الذي يهدد بأن يعمّ العراق؟ ومجدداً، أُرهق الأميركيون بمغامرات عسكرية خارجية. فالعراق، التي اعتبرت «حرباً اختيارية»، أدّت إلى انقسام عميق داخل الولايات المتحدة.

إلا أنه حتى أولئك الذين اشتركوا في الحرب منذ اندلاعها، يعترفون بالحاجة لتحمل المسؤولية عن الدمار الذي حدث. وتخفيض القوات الأميركية، ليس المقصود منه الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تنفض يدها من الفشل الذريع، ولكن من أجل دفع العراقيين لتحمل المزيد من المسؤولية بشأن مستقبلهم. وللأسف، فإن هذا القرار يظل مقترحاً ينطوي على المخاطرة.