ينطبق علينا في العالم العربي والإسلامي، إزاء الجدل الدائر اليوم بشأن بناء مسجد نيويورك، دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لنصرة الأخ ظالماً، عبر مصارحته بخطئه ودعوته لتصحيحه.

فالمسلمون الذين يصرون على بناء مسجد ومركز إسلامي على بعد أمتار من موقع انهيار برجي التجارة في نيويورك، لهم علينا حق المصارحة، فهم قاموا بحسن نية بإحداث ضرر يستحق وقفة.

والقصة بدأت في الحقيقة قبل أعوام، حين فكر إمام يدعى فيصل عبد الرؤوف وزوجته ديزي خان، في إنشاء مركز إسلامي هدفه التأكيد على سماحة الإسلام. وكانت النية هي بناء مركز يضم إلى جانب المسجد، صالة ألعاب رياضية وحمام سباحة وقاعة احتفالات ومكتبة، على أن يكون المركز مفتوحاً لكل أبناء نيويورك كرمز للتسامح الإسلامي.

وقد استطاع الزوجان أن يقنعا رجل أعمال مسلم يعمل في مجال العقارات بالمشروع، فنجح الأخير عام 2009 في تأجير الأرض بعقد طويل الأجل، وهو الآن بصدد استكمال إجراءات شرائها.

وقد وقع الاختيار على ذلك المكان تحديداً، كما تقول السيدة خان، من أجل خلق زخم مضاد لذلك الذي خلقه التطرف، وذلك في المكان نفسه الذي نفذ فيه التطرف جريمته.

وقد اختار القائمون على المشروع اسماً هو نفسه اسم الجمعية التي يرأسها فيصل عبدالرؤوف، أي «قرطبة»، والسبب في اختيار الاسم كان أن مدينة قرطبة ظلت دوماً رمزاً للتعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود.

ومنذ أن وافقت لجنة استشارية في الحي الذي سيقام فيه المشروع على الفكرة، في مايو الماضي، قامت الدنيا ولم تقعد. فقد تلقف اليمين المتطرف، خصوصاً الذي يستهدف المسلمين، الموضوع. فهو جاءهم كهدية على طبق من فضة، يمكن من خلالها تأليب الرأي العام الأميركي على الإسلام والمسلمين.

فمنذ خروج بوش من الحكم وعودة اليمين بكل فصائله إلى ثكناته، لم يتوقف استهداف المسلمين، ولكنه لم يكن يتصدر أولوية اليمين عموماً. لذلك كانت تلك فرصة استغلها اليمين المتطرف على أوسع نطاق، لإثارة حملة واسعة لاستعداء عموم الأميركيين على الإسلام والمسلمين.

وبالفعل نجح هذا التيار في تحويل موضوع المركز الإسلامي من قضية محلية تخص ولاية نيويورك، إلى قضية عامة تتصدر الأخبار في كل الصحف والمجلات والإعلام المرئي والمسموع، فضلًا عن المواقع الإلكترونية.

بل أكثر من ذلك قفز الاهتمام بالمواقع اليمينية المتطرفة بشكل مذهل، منذ إثارة هذا الموضوع. فعلى سبيل المثال، تقول الواشنطن بوست إن أحد تلك المواقع، قد قفز زواره في شهر واحد من 660 ألفا إلى 3 ملايين دفعة واحدة!

أكثر من ذلك، تم بالقطع تلفيق المعلومات حول المركز، بدءاً من الزعم زوراً بأنه يتلقى ملايين الدولارات من الخليج بهدف بنائه ليكون «رمزاً لانتصار المسلمين على الأميركان في موقعة مركز التجارة العالمي».

ووصولًا إلى الحديث عن بناء المركز باعتباره جزءاً من مؤامرة منظمة لفرض الشريعة في أميركا! وقد استغل المتطرفون في ذلك اختيار اسم قرطبة، للدلالة على وجود مثل تلك المؤامرة، إذ تم إقناع العامة بأن الاسم يرمز لانتصار المسلمين وهيمنتهم، لا للتعايش الديني.

انطلق مارد التطرف ضد الإسلام والمسلمين من قمقمه من جديد، وصارت تلك هي فرصته لتحذير الأميركيين من أن «الاعتدال الإسلامي أكثر خطراً من التطرف»، لأن الأول يمكنه بسهولة أن «يوقعك في شباكه».

وانطلقت حملات في طول أميركا وعرضها لمقاومة بناء المساجد، حتى الصغيرة منها في كل مكان، وحملات أخرى ترفع لافتات على الحافلات وسيارات الأجرة، تحمل إهانات للمسلمين والإسلام.

بل أعلنت إحدى الكنائس المتطرفة في فلوريدا، أنها ستعتبر يوم الحادي عشر من سبتمبر القادم يوماً لحرق المصاحف! وكانت النتيجة أن 61% من الأميركيين، صاروا يعارضون بناء المركز الإسلامي قرب موقع انهيار البرجين في نيويورك.

والحقيقة أنني لم أفهم أبداً ذلك الإصرار على هذا الموقع تحديداً، وعلى اسم قرطبة. فالمسلمون الأميركيون يعرفون أكثر من غيرهم ما يجري في بلادهم. فأي متابع لما يجري في أميركا، يدرك أن هناك تطرفاً يمينياً يزداد عنصرية كل يوم. وهو ينذر بعنف بلا حدود، أو على أفضل تقدير بانتصار كاسح لذلك اليمين المتطرف في انتخابات الكونغرس.

ولما كان ذلك الانتصار ليس بالقطع في صالح المسلمين الأميركيين، الذين يفترض أن يكون هدفهم نزع شرعية ذلك التيار المتطرف، يصبح من غير المفهوم منحه هدايا مجانية يستغلها لاستثارة قطاع واسع من الأميركيين العاديين.

ففي ظل مثل هذه الأجواء، قد يكون من الأنسب خلق صورة مغايرة للإسلام، أن يبتعد المسلمون عن دائرة الجدل لا العكس. الأخطر من ذلك أن القائمين على المشروع بدوا وكأنهم فوجئوا برد الفعل.

فمن يتبنى مشروعاً كهذا في ظل تلك الأجواء تحديداً، لا بد وأن يتوقع بالضرورة أنه سيثير الجدل. لذا كان مفترضاً مثلاً أن تكون هناك حملة علاقات عامة منظمة وقوية قبل إطلاقه، ثم رسالة واضحة ومتماسكة مع اشتعال الجدل، أو على الأقل استجابة فورية لكم المعلومات المغلوطة عن الموضوع.

في رأيي المتواضع، فإن اختيار المكان لم يكن موفقاً، ثم إن الإصرار عليه كان ضرره أكبر بكثير من نفعه. من أجل كل ذلك، تصورت أن علينا نحن في العالم العربي، مسؤولية كبيرة في مصارحة إخواننا مسلمي أميركا بكل ما تقدم.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com