التدافع المعتاد للخروج من إدارة في مرحلة الغرق، عملية مستمرة الآن. الفارق الوحيد في هذه الإدارة، هو في حالة الذين خرجوا من إدارة بوش، ومنهم بول أونيل، وريتشارد كلارك، وسكوت ماكليلان، والذين كانوا مستائين بحق، لأن عبقريتهم لم تقدر تقديرها الصحيح، من قبل المتحجرين في إدارة بوش، وكانوا من أصحاب الضمير الذين يطلقون التحذيرات.
الآن تقول لنا «نيويورك تايمز» إن الهابطين بالمظلات في إدارة أوباما، قد انقضى وقتهم وأنهكوا من كثرة استخدامهم لأجهزة «بلاك بيري»، طوال الوقت.
كما يبدو، لا يجب أن نتصور أن هؤلاء التكنوقراطيين يرغبون في المغادرة قبل وصول الحشود في انتخابات نوفمبر، أو أنهم سينتقلون لشغل وظائف مربحة من ذات الرواتب التي تتعدى المليون دولار في العام.
بعدما حصلوا على «شهادة الخبرة» بالعمل في الحكومة، ولكنهم بدلاً من ذلك يجب أن يصلبوا ويتألموا، تكفيراً عن خطايانا على مدى 18 شهراً هي عمر إدارة أوباما حتى الآن، حيث إنه لا يمكننا أن نتحمل أكثر من أجل من لا يستحقون.
نحن لم نغير مسيرة الاقتصاد، ولسنا نحن الذين فشلنا في تحقيق الانتصار في الحرب، ولسنا نحن الذين جعلناهم يبقون معتقل غوانتانامو مفتوحاً، ولسنا نحن الذين أنهكناهم ببرامج الصحة العامة، ولسنا نحن الذين فرضنا عليهم مزيداً من عمليات الترحيل القسري غير الدستورية.
لقد أعلن نائب الرئيس الأميركي السابق آل غور للتو أن حربه الخضراء قد انتهت، وأنه خسر الحرب وينسحب من الميدان.
انسحاب آل غور من ملحمته المشابهة لحصار ستالينغراد (أطول حصار في التاريخ)، ليس فيه علاقة بين شعاراته الخضراء وبين الثلوج والبرد، أو الجيش الأحمر، أو الحلفاء الأوروبيين الشرقيين الضعفاء، لكنه كان ببساطة نتيجة أزمة عزيمة وإرادة في أوساط المتحمسين له، فلم يكن أي منهم شجاعاً بالدرجة الكافية ليسير خلف القائد غور إلى المعركة.
لذلك، لم يذكر غور شيئا عن فضائح البريد الالكتروني «غرين ـ غيت» الأخيرة، أو عن موجة البرد الغريبة على مدى العامين الماضيين في مناطق مختلفة (محصول العنب في مزارعي تأخر نضوجه بمعدل أسبوعين أو ثلاثة في كاليفورنيا التي كانت تستعر حرا ذات يوم)، أو الافتقار إلى قيادات خضراء.
وأوباما نفسه ليس هو أوباما العام 2008، عندما ألقيت كل مشكلات أميركا على كاهل الرئيس الأميركي السابق بوش، وعندما وضعت مواصفات الحكم الرئاسي في جلسة للجنة في مجلس الشيوخ أمام وميض الكاميرات، والعظات، وشهود عيان مرتبكين (مشهد أوباما، ونائبه بايدن، ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، وهم جالسون لتقييم الجنرال بترايوس ـ الذي تمكن خلال ثلاث سنوات فقط من أن يقدم لهم طوق نجاة ولو مؤقتاً ـ كان من أكثر اللحظات غرابة في العشرين عاماً الماضية).
الأرجل المرتعشة لم يعد لها وجود. ورئيس تحرير «نيوزويك» الذي جعل من أوباما شخصية جليلة، ولى هو الآخر. «نيوزويك» ذاتها لم تعد موجودة، تكسرت على الصخور بعدما أبحرت على غير هدى وهي تتبع أغنية الأمل والتغيير (شعار أوباما الانتخابي). وحتى اليسار يقول إنه إذا غنيت أغنية «أغلقوا غوانتانامو» لسنوات، إذا فليغلق غوانتانامو.
أحسب أننا لن نسمع المزيد من شعارات أوباما التي دأب على ترديدها في حملات «الأمل والتغيير» الانتخابية. لن يكون هناك المزيد من أعمدة الانتصارات في الصحف، ولا رؤوس أموال وهمية، ولا وعود بترطيب حرارة الكوكب. الكرنفال غادر المدينة، وكل ما تبقى هو التنظيف والأسف على التصرف بغباء شديد.
الآن سنرى أوباما الحقيقي. هل لديه الشخصية المناسبة للاستمرار بنسبة شعبية ستنخفض قريبا إلى نحو 40%، وقاعدة شعبية غاضبة، ووسائل إعلام هاربة، ومعارضة منظمة ومشحونة؟ أم سيكون هناك عامان آخران من لعب الغولف.
كما فعل بوش، وإلقاء اللوم على جراحي الأطراف الصناعية، ومؤتمرات القمة التي تعقد لاحتساء المشروبات، وقتل الوقت في الاستعداد لمنصب يتقلده بعد تقاعده من الرئاسة، ويصل راتبه إلى 50 مليون دولار في العام، وجولات حول العالم، على غرار نلسون مانديلا؟!
مر علينا وقت عندما كان جون إدواردز، الجاف، يملأ البلاد طولاً وعرضاً بمقابلات درامية مع مذيعي شبكات التلفزة عن إخفاقاته وانتصاراته البطولية. والآن ماذا؟ لم يبق سوى غرفة جون.
فعل جون إدواردز المستحيل؛ فقد حول «ذا ناشيونال إنكوايرر» إلى صحيفة أميركية من الدرجة الأولى، يتمتع محرروها بمكانة أعلى حتى من خريجي كلية كولومبيا للصحافة العاملين في «لوس أنجليس تايمز» أو «واشنطن بوست».
كنت أعتقد في العام 2004 بأن جون كيري مرشح الرئاسة السابق كان يسعى إلى خسارة الانتخابات. لماذا يذهب لركوب الطائرات الشراعية أو الدراجات في سباندكس.
إذا كان يريد أن يظهر جورج بوش على أنه من الأغنياء المعزولين عن العالم، ولا يشعر بتزايد نسبة البطالة إلى 7 .5%، آنئذ؟ والآن، ماذا نفعل بشراء يخت بقيمة 7 ملايين دولار، بينما نراوغ بشأن ضرائب ماساتشوسيتس؟
وهذه بدعة أخرى: ديمقراطي مشهور يتهرب من دفع ضريبة يخته في أوقات الركود، وحتى رغم دعوات الليبراليين إلى فرض مزيد من الضرائب، وبينما يحذر الرئيس الأميركي نفسه من أن الجميع يجب أن «يشارك في المباراة»!
بإظهاري كيف سقط العظيم من عليائه، فأنا لا أمارس التحيز الحزبي. ففريق غينغريتش الجمهوري الذين أسكرهم المديح والسلطة في العام 1996، انفجروا هم أيضاً من الداخل.
لا أعتقد بأن أميركا كانت غاضبة مثلما هي الآن. وسينفجر الغضب في مراكز الاقتراع في نوفمبر المقبل، بطريقة يعجز الديمقراطيون عن توقعها.. وهذا هو المهم.
أستاذ الدراسات الكلاسيكية في جامعة ستانفورد الأميركية
opinion@albayan.ae