لم يكن من قبيل الصدفة أن يعلم القارئ بخبر وفاة عميد مصوري الإمارات نور علي راشد، عبر صفحات «البيان» وحدها، من بين كل صحف البلاد، حيث يرجع ذلك، في أحد جوانبه، إلى الاهتمام الكبير الذي طالما أبدته به، على مدار سنوات طويلة، شهدت تعاونا وثيقا معه.
والذين امتدت جسور الحوار بينهم وبين المصور الراحل، يعرفون أنه كان شديد الحرص على مجموعة صوره، التي قدرها بثلاثة ملايين صورة، تؤرخ لتطور مختلف أوجه الحياة على أرض الإمارات، وكان أشد ما يخشاه أن تتعرض هذه الصور للضرر، بفعل عناصر المناخ، فضلا عن عدم توافر سبل الحفاظ عليها بالطرق الفنية الحديثة، التي لا بد من أن تكون مكلفة للغاية بالنسبة لهذا العدد الهائل من الصور.
المدهش حقا أن أصداء هذه الشكوى ذاتها، تتردد في كل حوار يدور مع من لديهم مجموعات نادرة من الصور التي يمكن أن تشكل جزءا من الذاكرة التاريخية للإمارات. كان رونالد كودراي، صاحب مجموعة «الألبوم العربي»، محظوظا حقا، حيث تمكن من الحفاظ على معظم صوره من دون أن يلحق بها ضرر يذكر. ومع ذلك، فخلال ترجمتي لكتابه «دبي» في إطار مجموعة «الألبوم العربي»، سمعته يشكو مرات لا حصر لها من تخوفه على مجموعته من الأضرار التي قد يلحقها مرور الزمن بها.
في العام المقبل، سيحتفل الكثيرون على امتداد العالم بالذكرى المئوية لميلاد الرحالة البريطاني سير ولفرد ثيسجر، الذي عرفه أبناء الإمارات باسم مبارك بن لندن. وقد كان الرجل من أبرز من التقطوا الصور في أرجاء المنطقة، من العراق شمالا حتى سلطنة عمان جنوبا، وطبعت أعداد كبيرة من صوره في كتب شهيرة، فضلا عن تكبيرها لتحتل أماكن بارزة في المتاحف والفنادق والمصارف.
وكان الرجل من الحصافة بحيث أودع قبيل رحيله عن عالمنا، مجموعته كاملة لدى جامعة كامبردج التي تخرج منها. لكنه ظل حتى أواخر عمره يعرب عن توقه إلى أن يجد طريقة تكفل له الحفاظ على مجموعة صوره بعيدا عن التلف والضرر، وتجديد مقوماتها باستخدام التقنيات الفنية الحديثة، وهي أمنية لم يقدر لها أن تتحقق حتى اليوم.
ما زلت أذكر كيف شدد ثيسجر في مقابلة أجريتها معه، قبيل رحيله عن عالمنا، على أن صوره ومخطوطاته ليست ملكا له، وإنما هي ملك للأجيال المقبلة من أبناء الدول التي التقط صوره فيها وكتب عنها وارتحل في أراضيها ومع بدوها.
هذا الحديث عن الصور كجزء من الذاكرة الحية للشعوب وضرورة الحفاظ عليها، لا بد له من أن يتوج بالتأكيد على أن التراث المادي والمعنوي للشعوب ينبغي أن يحظى بأولوية قصوى في الاهتمام به والحفاظ عليه.
وقد يكون من الحتمي أن نشير في هذا الصدد إلى المرسوم التاريخي الذي أصدره الإمبراطور ميجي، رائد تجربة التحديث اليابانية الأولى، وهو المرسوم الذي قضى بأن تكون عناصر التراث الياباني كافة ملكا للشعب الياباني، وأن يعوض من توجد تحت أيديهم هذه العناصر تعويضا عادلا، وأن تتحمل الأمة اليابانية مسؤولية رعايتها وصيانتها والحفاظ عليها.
ولعل أهم ما في هذا المرسوم أنه حظر على أي فرد أو جماعة أو هيئة أو شخصية معنوية، الاعتراض على قيام الباحثين بدراسة عناصر التراث والتاريخ والأنثروبولوجيا في اليابان، بحيث لا يتاح لأحد ممارسة حق الاعتراض في مواجهة حق الشعب الياباني في المعرفة. ترى، هل كثير علينا أن نتطلع اليوم في عالمنا العربي إلى ما سبقنا إليه الإمبراطور ميجي قبل ما يزيد على قرن ونصف القرن من الزمان؟