يمتاز الإنسان بنزعة غير عادية للسيطرة على مجريات حياة الآخرين. يبدأ ذلك بنزعة السلطة والتحكم في شؤون أفراد الأسرة الصغيرة، ثم يمتد إلى العائلة الأكبر والقبيلة والقرية والمدينة والدولة. من القياديين من تذهب بهم نزعة التفرد بالسلطة المطلقة، إلى القفز خلف الحدود الجغرافية والسياسية والاجتماعية. أوضح مثل على النوع الأخير من عشق السلطة على الغير، يتمتع به من تميز بنفَس ديني ـ سياسي ـ كوني لا مكانة في ذهنيته لحدود ديمغرافية.
طبيعياً واصطناعياً، الجسم البشري بات مقسماً بين أتباع أديان ومذاهب وأعراق وألوان، وأخيراً سياسات. في كل من هذه التقسيمات، هنالك أعداد متزايدة من الأفراد الذين بإمكانهم الوصول إلى مراتب متقدمة في حكم مصائر الآخرين؛ ومرحلياً التحكم في رقابهم. عشاق السلطة هؤلاء يستغلون الميزات والأسباب والمبررات الدينية والسياسية والعرقية والمذهبية. يعود ذلك إلى إعطائهم الأولوية لما يُعرف بالنقاء الروحي، أو التطور الفكري أو التقدم الجسمي والاجتماعي والمعنوي، أو كل تلك العوامل مجتمعةً في نفس شخصية واحدة.
الصراع على السلطة يحصل إذا ما حدث فراغ سياسي أو إداري أو تنظيمي لشؤون المجتمع عموماً. هنالك قلاقل تعصف بالمجتمع والدولة والكيان. الأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها ما يحدث بشكل صارخ في الدول النامية، وبدرجة أقل في الدول الزاعمة بالتقدم الحديث في مختلف المجالات. بشكل شبه متفرّد، فالسياسيون يقودون عملية الصراع، غير آبهين بالنتائج والتبعات التي تحل بالمجتمع من دونهم. طبيعياً فالشعب هو الضحية المرشحة لدفع جل الفواتير المستحقة للصراع على السلطة.
جيوش من الشباب والشيوخ والنساء وحتى الأطفال، يتم تجنيدهم بسهولة للسير وراء شخصية «كارزمية» متميزة بعشق السلطة والتحكم. كل فرد من هؤلاء يكوّن لزعيمه من نفسه مشروع تضحية بالغالي والنفيس، مصيرياً يصل أحياناً إلى حد التضحية بالروح والدم. السياسي، والحال هذه، يجد بيئة مناسبة لبقائه وازدهاره. من هؤلاء من قد يقبل الشعب بالفناء شبه الكامل لبقائه في ظل تلك القيادة السوبر ـ مسيطرة على قلوب وعقول عامة البشر.
البعد الاقتصادي واضح جداً في الصراع للوصول إلى سدة الحكم. يحدث ذلك خاصة في الدول التي يمتلك فيها كبار المسؤولين زمام الشؤون المالية والاقتصادية؛ بالذات في ما يُعرف بالدول والمجتمعات النامية. حينها تصبح ثروات البلاد والعباد مثل أهداف واضحة، وجديرة بالتضحية في آن معاً. هنالك الثروات البسيطة والمتوسطة والاستراتيجية للمجتمع والدولة. هذه جميعاً قد تصبح مثل موجودات مائدة كبيرة دسمة، بسهولة تحتل مكاناً في موسوعة «غينيس« للأرقام القياسية!
الوضع في العراق بعد الغزو الأنجلو ـ أميركي، مثل واضح، بل صارخ في حلم الإنسان للسيطرة على الآخرين. الدولة تحتل موقعاً استراتيجياً متميزاً، تتربع على مستودع من الخيرات والطاقات البشرية، ومخزون استراتيجي لا ينضب من البترول والغاز الطبيعي. القيادي السياسي، العراقي خاصة، يمجّد الأسود وهيبتها، والاقتداء بها إلى جانب الحصان الذّكَر، على بقية الحيوانات، بل الكائنات الأخرى. بات من السهولة أن تتحول البلاد بطولها وعرضها إلى ميدان واسع، ثمة دموي بين الفئات والأطراف المتناحرة. تزيد الأمور تعقيداً وتأزماً، بسبب تطعيم السياسيين بحقنات من الطائفية والمذهبية والعرقية، منذ الولادة وفيما بعد.
حقيقةً لا ينفرد السياسيون العراقيون في حب السلطة والتضحية بكل ما هو ممكن من أجلها. السياسيون الغربيون يوصلون الليل بالنهار طوال سني حياتهم، للرقي بأنفسهم درجات متقدمة نحو الاستحواذ على السلطة، خاصةً حين حلول مواعيد الانتخابات. السباق على السلطة في الولايات المتحدة للفترة التي تلي الرئيس الفائز، يبدأ في اليوم الذي يتولى فيه ذات الرئيس الأميركي مقاليد الحكم. تصل الأمور الذروة في السنة النهائية لحكم الرئيس الذي ستنتهي ولايته بعد قليل. الشعب الأميركي يظل في حالة استنفار وترقب دائمة مزمنة، للرئيس الذي سوف يأتيهم؛ من هو؟ وهل هو ديمقراطي أم جمهوري؟! والحالة الأميركية ما هي إلا نموذج لغيرها في بقية العالم، وإن اختلفت التفاصيل.