لفت نظري كلام رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، بقوله: «بالهدوء نتكلم ونسمع بعضنا بعضاً. أما بالصراخ، فلا يعود أحد منا يسمع الآخر». هذا الكلام الذي يثير مسألة الأسلوب، في عرض المضمون، ليس مسألة ناقلة أو هامشية، وإنما هو في غاية الأهمية، لأن أسلوب العرض والمناقشة أو المحاججة، إنما ينمّ عن عقلية صاحبه: هل يفكر بصورة مغلقة أم منفتحة، عقلانية أم ديماغوجية، دغمائية أم نقدية، ديمقراطية أم فاشية؟

وأذكر في هذا الخصوص أنه في مناظرة جرت في ألمانيا، منذ سنوات، بين مرشحَيْن لمقعد نيابي، عرض أحدهما برنامجه بحدة وعنف، وكأنه كان يخوض معركة فاصلة مع عدو له. الأمر الذي جعل خصمه يقول، عندما أتى دوره: بعد ما سمعت زميلي، لن أعرض عليكم برنامج عملي، إذ تكفيني الإشارة إلى اللهجة العنيفة التي تحدث بها، فهي التي قادت ألمانيا إلى الدكتاتورية والفاشية.

وهذه المسألة لا يُلتفت إليها عادة في العالم العربي، إذ يجري التركيز على المضمون لا على الأسلوب، بل الملاحظ أن من يتحدث بأسلوب هادئ ويفكر بصورة متزنة، أو عقلانية، لا يلقى صدى في النفوس لدى الجماهير والقواعد الشعبية العائدة لهذا الحزب أو لتلك المجموعة. فقد تشكلت عقول الأتباع والمؤيدين والمناصرين في هذا المعسكر أو ذاك، على سماع الكلمات الحماسية والخطب النارية والمواقف الاستفزازية.

وقد مرّ طور في لبنان انحدر فيه الخطاب، بأصحابه، إلى أسفل السافلين، لكي يتحول إلى ما يشبه الشتم والسباب. والخطب الجماهيرية، أمام الحشود أو وسطها، هي ظاهرة حديثة انبجست مع ولادة حركات التحرر وأيديولوجياتها النضالية، حيث أصبحت خطب الزعماء والقادة حدثاً تنتظره الجماهير والحشود العطشى إلى رؤية قائدها، لكي تنتشي بمرأى صورته أو الاستماع إلى كلمته.

ولكن الجمهور، ولو كان مؤلفاً من علماء وفلاسفة وقديسين، لا يستمع ولا يعقل، كما هو شأن كل جمع أو حشد، لأن ما يتقنه هو التعصب والتطرف أو التصفيق والتهليل، أو ممارسة طقوس العبادة للزعماء والقادة، لتحويلهم بدورهم إلى عبيد لألقابهم وسلطاتهم وأساطيرهم ونزواتهم. ولا افتئات في القول بأن عصر الجماهير لم يقترن بالحرية والعدالة والتقدم، بقدر ما اقترن بالتسلط والتخلف وإنتاج الكوارث.

لذا، فإن الدعوة إلى استخدام الحوار الهادئ والعقلاني، من جانب الساسة والقادة، هي أحوج ما نحتاج إليه في المجتمعات العربية. مع الأمل أن يتحوّل هذا الموقف إلى نهج لدى مختلف القوى والأحزاب والتكتلات؛ بحيث يجري كسر عقلية التمترس السائدة، والانخراط في ممارسة كلامية، نظرية، تداولية، مدنية، بحيث يتوجه الخطاب إلى العقول المنفتحة، لا إلى الحشود المتراصّة، لكي يكون محل الإنصات والتأمل والتبصّر، أو للمراجعة وإعادة النظر.

وهذا يقتضي من كل واحد، أياً كان انتماؤه، أن يتصرف كذات مفكّرة، هي مسؤولة بقدر ما هي مستقلّة، ومن هذا شأنه لا يترك لسواه مهمة التفكير عنه، ليكون مجرّد متلقٍّ يصدّق على ما يُعلَن أو يُطرَح. بل ينظر ويحلّل، أو يعترض وينتقد، لكي يكون مشاركاً في صنع القرارات وقود المصائر. من غير ذلك يُسدل الستار على عقله ويكون غافلاً عمّا يُقرّر له.

بعد انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة وجدتني أقول: لقد فضحنا أوباما. وكنت بذلك أشير إلى واحدة من مفارقات حياتنا واجتماعنا وثقافتنا. أقصد أن المجتمع الأميركي يأتي برئيس ملون من أب مسلم غير أميركي، في حين أن المسلمين لا يقبلون بعضهم البعض، بدليل أنه في الأسبوع الذي انتخب فيه أوباما، كان عالمان مسلمان كبيران، يمثل كل منهما طائفته، يتناظران على الشاشة بمنطق التهمة والنفي المتبادل.

وهكذا فإن أميركا حققت قفزة نوعية بكسرها منطقها العنصري ضد السود، وما كان مرفوضاً قبل عقود أصبح اليوم مقبولاً، في حين أن الأمور عندنا تعود إلى الوراء، لكي تسجّل تراجعاً وتدهوراً في ما يخص العلاقة بين الطوائف والمذاهب.

وها هي أميركا تقدم دليلاً آخر على انفتاحها واعترافها بالآخر، كما تمثّل ذلك في الموافقة على بناء مسجد ومركز إسلامي في نيويورك، وبالتحديد في مكان قريب من المكان الذي جرى فيه تفجير برجَيْ التجارة في شهر سبتمبر 2001.

بالطبع أثارت هذه المسألة سجالاً واسعاً في الولايات المتحدة، انقسم بموجبه الرأي العام بين معارض ومؤيد. فالمتشددون شنوا حملة ضد بناء المركز، وحجّتهم أن ذلك يطعن في أرواح الضحايا ويدنس المكان الذي أصبح له قدسيته، فضلاً عن كونه يصب في خانة أسلمة الولايات المتحدة.

أما المؤيدون فقد أكدوا أن أميركا بلد ديمقراطي يضمن حرية التعبير لجميع أبنائه، من غير تمييز على أساس ديني أو طائفي أو عرقي. وهذا ما فعله رئيس بلدية نيويورك مايكل بلومبيرغ، الذي لم يأبه لحملات المعارضين، بل دافع بقوة عن حق المسلمين في بناء المسجد والمركز.

وهذا ما أكد عليه أوباما، مستنداً إلى موافقة رئيس البلدية بقوله: «إن للمسلمين الحق ذاته في ممارسة دينهم، مثلهم مثل الآخرين في هذه البلاد»، كما جاء في كلمته في حفل الإفطار الذي اعتاد رؤساء أميركا إقامته بحلول شهر رمضان. وهذا الحق، الذي تضمنه وترعاه الولايات المتحدة للمسلم، في ما يخصّ حرية التفكير والتعبير، غير متاح له في المجتمعات الإسلامية المغلقة على خصوصيتها الطائفية أو المذهبية. وهو متاح أيضاً للمسلم في البلدان الأوروبية، وإن بدرجة أقل.

أمر آخر كان لافتاً في كلمة أوباما، هو دفاعه عن الإسلام وردّ التهمة عنه، بقوله إن الإرهابيين يمثلون تشويهاً شنيعاً للإسلام، وبأنهم قتلوا من المسلمين أكثر مما قتلوا من سواهم. وهذه مفارقة أخرى؛ فالمقاومة التي يهلّلون لها ضد أميركا، ألحقت بالمجتمعات العربية ضرراً أفدح بكثير من الضرر الذي تلحقه بالولايات المتحدة.

من هنا ما ينتظر من القائمين على المركز الذي سوف يبنى في نيويورك، بشكل خاص، هو أن يقدموا صورة جديدة، حديثة ومعاصرة، عن أنفسهم، بحيث يمارسون خصوصيتهم بصورة حيّة وخلاّقة، وعلى النحو الذي يتيح لهم أن يشاركوا في بناء المجتمع الذي اختاروا العيش فيه، فيغتنون به ويشكّلون مصدر غنًى له، حتى لا يندم الذين وافقوا على بنائه ويصح رأي من عارضوا.تلك هي لغة البناء المشترك، فمفرداتها هي الانفتاح، الاعتراف، التبادل البشري في مختلف وجوهه؛ الاقتصادية والثقافية والمجتمعية.