يعيش السودانيون على بعد خطوات زمنية قليلة من التحدي العظيم، الذي يحدد مصير دولتهم المستقلة الموحدة. وانطلق المحللون والسياسيون في التحليل ووضع الخطط والاستراتيجيات، وإن كان ذلك في الوقت الضائع تماما. وفي أحيان كثيرة تغطي عملية وضع الخطط والتحليلات، على فهم شخصية وثقافة من توضع له هذه الخطط نفسها. وهذا يعني البحث عن كيف يفكر السوداني؟ وما هي مشاعره وعواطفه الحقيقية في هذه المواقف؟
الأحاديث عن الانفصال والتقسيم والتفتت ومخاطر عودة الحرب الأهلية، تملأ الأفق في السودان، ولا يستطيع أي سوداني جاد الهروب من هذه الأجواء. ولكن للسودانيين طرائقهم ووسائلهم في الهروب، لكي يجعلوا الحياة تمضي عادية وألا يحملوا هما للمجهول. وتدعو الثقافة السائدة إلى الصبر أو التجاهل في حالة قرب حدوث المكاره، ولذلك تفضل ثقافتهم، كما تعبر عنها الأمثال، عدم العيش في الهم والتفكر، بل مواجهة الكارثة والتحدي مباشرة ودون إبطاء.
وهذا ما يقصده المثل الشائع: (كتلوك ولا جوك)؛ أي من الأفضل أن تقتل فعلا من الأرجاء والوعيد بأنهم آتون لقتلك. فقد تفضل ثقافات أخرى الانتظار علها تدبر حالها أو تتغير الظروف، ولكن السوداني لا يطيق الانتظار، ويقول مثله: امسك لي واقطع ليك، أي لا داعي للمماطلة والتطويل، امسك أنت طرفا وأقوم أنا بالقطع ويحسم الأمر، حتى قبل أن يحضر الآخرون. وأنصع الأمثلة لمثل هذا التفكير، عندما تم إعدام 28 ضابطاً في محاكمات سريعة في رمضان/ إبريل 1990، سأل الأستاذ فتحي الضو، العقيد يوسف عبد الفتاح.
فكان رده: «كان لا بد أن يكون هناك حسم، وأنا أقول تصوري الشخصي؛ نحن كشعب طيبين جدا، كان بعد شوية تدخل الوساطات والعلاقات، وكما ذكرت هناك أناس قبلهم تمردوا ولم يعالجوا بالصورة السريعة، مما أعطى الفرصة لضعاف النفوس أن يتحركوا» (كتاب محنة النخبة السودانية، ص 206). ولكن الشخصية السودانية الحاملة لكثير من التناقضات، تتراوح ـ أحيانا ـ بين التسرع الأهوج والتمهل المضجر.
حاولت تطبيق هذه الملاحظات والخواطر على الظرف الراهن المفعم بالمخاطر الداهمة. وأحيانا أتساءل هل من الممكن أن يكون هناك شعب تنتظره كل هذه المخاطر ويتصرف بهذه العادية والتبسط واللامبالاة؟
في البدء، لا بد من تأكيد وجود شخصية قومية سودانية عامة يتمسك بها السودانيون، رغم تنوع ثقافاتهم الواسع، ويدخل في هذا كثير من الجنوبيين. وهناك قطاعات تسعى لغرس قيم وعادات وسلوكيات معينة، تجعلها قادرة على الدخول في تصنيف السوداني الأصيل. ولا بد من التأكيد على أن هذه الصفات لا صلة لها بالعرق أو الأصول الإثنية، ولكنها خصال مرتبطة بالكرم والأريحية والشجاعة، يظن بعض السودانيين أنها حكر عليهم. وليس من الغريب، في مواقف تتطلب إبراز تلك الصفات، أن نسمع جنوبيا يقول مستنكرا لمواطنه الشمالي: أنت مش سوداني! وأكرر دائما أن مفهوم الهوية غامض، والأفضل البحث عن الشخصية القومية الأساسية للسودانيين.
ورغم سلبية النتائج، إلا أن تجربة تنفيذ اتفاقية السلام الشامل، كشفت أنه ـ في الحقيقة ـ لا فرق بين جنوبي وشمالي، فهم يحملون على أكتافهم عقلا موحدا في التفكير العشوائي. فقد ظل الشريكان أكثر من خمس سنوات، يتجادلان حول موضوعات انصرافية، وبين أيديهم اتفاقية محددة البنود وواضحة التواريخ تحدد مهام عاجلة ومصيرية لإنجاح الاتفاق.
ولو فرضنا جدلا أن حزب المؤتمر الوطني كان يريد اللعب بالوقت، فأين الحركة الشعبية صاحبة المصلحة الحقيقية في إجراء الاستفتاء في موعده؟ لماذا لم تذكره وتحثه على الجدية؟ وهنا مارس الطرفان سلوكا «سودانيا» يكمن في الشخصية السودانية ويطل عند الملمات، أو لتجنب مواجهة المواقف الصعبة.
فالطرف الأول، المؤتمر الوطني، مارس «فضيلة» الصهاينة أو يعمل ما عارف، كما تقول الأجيال الجديدة. وهذه «الفضيلة» بارزة في التراث الشعبي، وهي أن يقوم المرء في هذه الحالة: «أن يقوم بسد دي بي طينه ودي بعجينه» ويقصد الأذنين. وهذه سودنة للحكمة الهندية: لا أسمع لا أرى لا أتكلم، ولكن في النسخة السودانية: لا أسمع لا أرى ولكن أتكلم كثيرا!
ومن مظاهر الخصوصية السودانية: التدين السوداني، وفي هذه الحالة كيف يمضي السودانيون رمضان ما قبل الكارثة القادمة؟ أولا يجد أي فقيه يحرم على السودانيين الطرب وهوشة التنغيم، وقد يقود ذلك بعض من الصوفية المحلية: شالتو الهاشمية أي أخذه الحماس والجو العام. وقد ظل السوداني صاحب كيف ومزاج، ولكن في الحلال. وأكبر وأهم معركة دينية في تاريخ الفقه السوداني، كانت حول: هل التنباك أو التباكو حلال أم حرام؟
وذهب بعض علمائهم إلى الأزهر لمقابلة الشيخ الأجهوري لحسم موقف الدين (راجع المناقشات في طبقات ود ضيف الله، تحقيق يوسف فضل، 1992 ص 50 وما بعدها). لذلك يجب ألا يستغرب الإخوة غير السودانيين المشاهدون للقنوات الفضائية السودانية، حين تشرع القنوات مباشرة بعد الآذان في بث الأغاني والتطريب، وألا يندهشوا حين يسمعون بعد المدفع مباشرة أبناء السر قدور يصدحون: أسمر لونو لادن جسمو!
وبالتأكيد لم يستوعب الإخوة العرب والمسلمون غير السودانيين، أن تبث قناة رسمية المديح النبوي مصحوبا بالجيتار والكمان، وتؤديه فرق بأزياء خاصة وأحيانا فتيات. فكثير من الفقهاء يحرمون أو يكرهون المديح أصلا، ناهيك عن أن تصاحبه الموسيقى. هذه هي بعض صور السودانيين قبل العاصفة، وفي رمضان.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فمن يتابع فواصل البرامج الغنائية المتدفقة، يجد أيضاً إعلانات بالأغاني، أي نعم أغانٍ للدواليب والكراسي والطرابيز، وطبعاً من العادي الغناء للزيت واللحمة المفرومة. لا أدري هل هذه الأجواء المليئة بالأغاني، هروب من مواجهة الواقع ومواصلة لتغييب الوعي الذي نشكو منه باستمرار؟ والثقافة السودانية تساعد على ذلك، فنحن الذين نردد المثل: إن كترت الهموم ارقد ونوم، أو أدمدم ونوم. وفي الحالتين النوم هو الحل.
الثقافة التي أنتجت المواقف اللامبالية الراهنة، هي ثقافة تقليدية تبدو وكأنها ثابتة وراكدة، لم تتغير منذ القرن السادس عشر، أي منذ دولة الفونج. والمشكلة في هذا الركود. ولم يحاول المثقفون خلخلة ما يمكن أن يتحرك ويتغير من خلال السياسة والثقافة، مثل تطوير ثقافة المشاركة والمسؤولية الاجتماعية وشعور المواطنة. ورغم كثير من القشور بقي جوهر الثقافة السودانية، وبالذات الثقافة السياسية، راكدا وغير متغير، وفضّل السودانيون موقف الفرجة واللامبالاة والقدرية.