ليس من المبالغة في شيء في القول بأن انسحاب آخر الوحدات القتالية الاميركية من الاراضي العراقية قبل الموعد المحدد لها في نهاية الشهر الحالي - حيث عبرت آخر كتائب القتال الامريكية الحدود العراقية الكويتية مغادرة العراق - هو حدث على جانب كبير من الاهمية، ليس للعراق وحده، ولكن ايضا بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية، وللدول المجاورة والمعنية بالعراق وما يجري على ارضه، بالاضافة للقوى الاخرى التي حاولت ولا تزال تحاول استغلال الاوضاع والتطورات العراقية لصالحها، حتى ولو كان ذلك على حساب ارواح ودم ابناء العراق الابرياء.
ومع الوضع في الاعتبار ان انسحاب آخر الوحدات القتالية الاميركية من العراق لا يعني بأي حال انتهاء عمليات القتال في العراق بين القوات العراقية والمجموعات الارهابية بألوانها واطيافها المختلفة، وهو ما اكدت عليه الولايات المتحدة ، فان انتهاء الاعمال القتالية الامريكية في العراق مع نهاية الشهر الجاري رسميا.
ينقل في الواقع عبء عمليات القتال بشكل كامل الى عاتق القوات العراقية، خاصة وان القوات الاميركية التي ستستمر في العراق – نحو 56 الف جندي – لن تقوم بمهام قتالية ولكنها ستقوم بالاساس بدور مساند ولوجستي في تدريب القوات العراقية وتقديم المشورة لها للقيام بواجبها الوطني في التصدي للمجموعات والميليشيات المسلحة التي تريد استباحة اراضي العراق وممارسة اعمالهم الهمجية ضد ابنائه الابرياء.
وفي الوقت الذي تحدثت فيه اطراف عسكرية عراقية عن حاجة القوات العراقية لمزيد من الوقت لكي تقوم بمهامها بشكل كامل، فان اطرافا عراقية اخرى اشارت الى قدرة القوات العراقية على القيام بواجباتها في الفترة القادمة .
وايا كان الامر فان انسحاب الوحدات القتالية الاميركية يضع القوات العراقية امام واجباتها وبشكل عملي، وهو ما قد يدفع بالفعل تلك القوات الى مضاعفة جهودها، وبذل المزيد من العرق والالتزام للقيام بما تعلقه عليها كل شرائح المجتمع العراقي.
واذا كانت الاطراف الراغبة في استثمار الاوضاع العراقية لصالحها، او لخدمة اغراضها على نحو او آخر، ستبادر الى العمل بكل السبل لتقوية وزيادة نفوذها بكل السبل الممكنة، وهو ما يعني احتمال ازدياد عمليات العنف والتفجيرات واستهداف المدنيين وترويعهم، خاصة خلال الفترة القادمة، وهو ما بدأت ملامحه في الظهور، فان مسؤولية كبيرة تقع على عاتق كل الاطراف والقوات العراقية .
واذا كانت القوات المسلحة العراقية وقوات الأمن تتحمل بالعبء الميداني في التصدي لكل محاولات الاخلال بالأمن والاستقرار في مناطق العراق المختلفة، فان القوى السياسية والاحزاب والطوائف العراقية والقوى الاجتماعية والعشائرية عليها جميعها ودون استثناء العمل وبأكبر قدر من التعاون والتضامن من اجل بناء سياج عراقي وطني للحفاظ على الأمن في العراق ولحرمان كل من يحاول العبث بأمن العراق من امكانية تحقيق اهدافه.
واذا كانت هناك بعض المصالح او الحسابات من جانب طرف عراقي او آخر، فان المصلحة الوطنية العراقية وبناء العراق القوي والمستقر والقادر على استعادة دوره العربي الايجابي لابد وان تدفع كل المخلصين لحاضر ومستقبل العراق الى العمل معا، ليس فقط للانتهاء من تشكيل حكومة الشراكة الوطنية، بل لمؤازرة القوات العراقية للقيام بدورها الوطني في استعادة الأمن والاستقرار في كل ربوع العراق، وهي قادرة على ذلك، اذا توفر لها ما يمكنها من القيام بذلك، سياسيا وعسكريا ولوجستيا.
اما بالنسبة للولايات المتحدة فان سحب آخر الوحدات القتالية من العراق يعني ان واشنطن جادة في تنفيذ معاهدة الأمن العراقية الامريكية التي تم التوصل اليها في ديسمبر من عام 2008، وهي المعاهدة التي تنظم الوجود الامريكي في العراق ومراحل سحب القوات الامريكية منه، هذا فضلا عن ان الانسحاب يعني ان واشنطن واثقة من قدرة القوات العراقية على القيام بدورها خلال الفترة القادمة، ربما ببعض المساعدات عند الضرورة من جانب القوات التي ستستمر في العراق باتفاق الجانبين
