ليست العولمة أمراً محايداً، وإنما هي عملية ينبغي أن تجري ضمن حساباتنا، بحيث ننظمها ونضعها ضمن إطار من القيم والأخلاق. ولكن لماذا نسعى نحو العولمة؟ وكيف ستفيد الإنسانية؟ وكيف لنا أن نتعامل مع المشكلات العالمية.

مثل الفقر، والتغيرات المناخية، والأمن في مجال الطاقة، ليس فقط من منظور اقتصادي ضيق، وإنما من منظور إنساني أكثر شمولية واتساعاً؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي علينا التعامل معها في سعينا لحل المشكلات العالمية الراهنة.

بتعبير آخر، هل يمكن لنا أن نضفي الطابع الإنساني على النظام الرأسمالي العالمي، أم نتركه ينطلق بهذا الشكل المسعور، معطياً الفرصة لذوي القوة لأن يزدادوا قوة، والضعاف ليزدادوا انتكاساً وضعفاً؟

لا شك في أن الدول الكبرى، ضمن إطار النظام العولمي الجديد، أنفقت تريليونات الدولارات لتسود العالم تكنولوجياً وإعلامياً، وما لم تكن هناك حدود وتنظيمات ديمقراطية للمسألة، فإن الفجوة بين الفقراء والعالم ستزداد، وسيتعمق تركيز السلطة، وترتفع احتمالات التعرض للكوارث والدمار.

هناك من جنوا فوائد من وراء نظام العولمة، وهناك من خسروا وازدادوا تهميشاً. وأنا أرى أن العولمة مسألة إيجابية، حسناتها تفوق مخاطرها، لكن ينبغي التعامل مع تلك المخاطر بحذر، وإدارتها بمهارة، فمن المهم ألا تسحق عجلات العولمة أية دولة في العالم، بل أن تسعى لتحسين مستوى معيشة الأفراد جميعاً، ورفع مستوى العدالة الاجتماعية.

في التسعينات، ابتدعنا مصطلح «النهج الثالث» لحل الأزمات، لكننا بدلاً من ذلك فإننا نحتاج ل«نهج رابع». فالاعتماد المفرط على الأسواق باعتبارها مقياس النمو، وافتراض أن الأسواق دوماً على حق، كل هذا ثبت بطلانه، وصرنا بحاجة لنهج رابع نضمن من خلاله منح الحرية للأسواق لكي تبدع وتنمو، لكن بشرط ألا تكون الديمقراطية تابعة للسوق، بل العكس هو الصحيح.

يعتمد النهج الرابع على قيام مؤسسات ديمقراطية مسؤولة، يمكنها أن تعطي الأولوية للتكاتف العالمي على حساب المصالح الوطنية الضيقة، إذ ينبغي علينا أن نمسك بعقال العولمة، ونوجهها بأنفسنا حيث نريد، وهذا يعني مجموعة من الأمور؛ منها أننا سنكون بحاجة لنظام حوكمة عالمي، ومؤسسات دولية، مثل الأمم المتحدة ومجموعة العشرين، على أن تكون أكثر شمولية وتمثيلاً لأعضائها.

كما ينبغي علينا أن نحدد مدى الترابط والاعتماد المتبادل بين دول العالم، فكلما زادت استقلالية الدول زادت قدرتها على التحكم في مشكلاتها. وعلى سبيل المثال، إذا كانت هناك دولة مكتفية ذاتياً في مجال الطاقة، بفضل استغلالها لطاقة الرياح والطاقة الشمسية، فإن تأثرها بأسعار النفط العالمية سيكون أقل من دول أخرى، وستكون أقل اعتماداً على الأسعار العالمية، وأقل اعتماداً على الدول المنتجة للنفط.

هناك مسألة العولمة الثقافية أيضاً، التي لم تنضج بعد، وما نراه في توجهات الجيل الأصغر سناً نحو الموسيقى العالمية ونمط الحياة الغربي، لا يعني أن العولمة الثقافية تتطور وتقوى.

هنا يوجد تناقض يسبب مشكلات كبيرة في أنظمتنا السياسية، فكلما ازددنا إدراكاً ووعياً بالمشكلات العالمية المشتركة، وهذا أمر جيد لأنه أمر من المفترض أن يعين على التعاون والتكاتف بين شعوب وحكومات العالم، لكن بما أن الأمر عالمي وخارج نطاق سيطرة أنظمتنا السياسية المحلية، فلن يزيدنا الإدراك للمشكلات العالمية إلا إحساساً بالإحباط والعجز.

أوروبا، على سبيل المثال، تحاول جاهدة تخطي الحدود الوطنية الضيقة، لكنها كاتحاد متناسق، لا تستطيع أن تقرر مصير المناخ العالمي، فنحن، في واقع الأمر، لا توجد لدينا هيمنة سيادية على نظامنا المالي ضمن سوق الائتمان العالمية، ولا يتوافر لدينا نظام حوكمة رصين في ما يتعلق بالهجرة.

صحيح أن لدينا مؤسسات وهيئات تحاول التعامل مع كل تلك القضايا، لكنها، على العموم، ليست فعالة وقوية، وينتهي بنا الأمر دون تحقيق نتائج عملية، لا همّ لنا إلا الجدل حول أفضل الطرق للنجاح.

فهل علينا أن نكون أكثر مركزية، أم أنه ينبغي علينا أن نسعى لبناء أنظمة حوكمة تمهد لتفكيك المركزية؟ وهل يمكن للديمقراطية أن تكون فعالة مثل الأنظمة الدكتاتورية في التعامل مع المشكلات القائمة؟ هذه هي الألغاز المحيرة، التي ينبغي علينا حلها في المستقبل.

هناك خطر حقيقي في التقشف عالمياً، لأنه من الممكن أن يؤدي إلى زيادة الطلب العالمي، وهو أمر غير محمود في مرحلة التعافي الهشة التي يمر بها العالم. لهذا ينبغي علينا ألا نستمر في القفز من فقاعة إلى أخرى، وإنما علينا السعي لتحريك الاقتصاد العالمي نحو النمو المستدام والمنصف، وأن نراعي في ذلك ألا نجعل غير المسؤولين عن حدوث الأزمة هم من يدفعون الثمن الأعلى.

على المستوى المحلي، ينبغي علينا أن نعيد مراجعة مشروعات الضمان الاجتماعي والتقاعد لكي تكون أكثر فعالية، وأن نؤسس، في الوقت نفسه، استراتيجيات تطوير ونمو تستثمر في مجالات مختلفة، تعيننا على تخفيض اعتمادنا على العالم.

كما يمكننا فرض ضرائب على التعاملات المالية، وعلى إفراز الكربون، فهذا سيحقق لنا إيرادات تسهم في تطوير الضمان الاجتماعي، وتمول مشروعات التحول إلى اقتصاد قليل الإفراز للكربون.

وعلى الرغم مما يعتري الاتحاد الأوروبي من الضعف، فإنه يظل مثالاً حياً ودليلاً قوياً على الفوائد التي يمكن جنيها من التعاون بين الدول، وتجاوز قرون من الخلافات والصراعات لتحقيق السلام والرخاء المشتركين، ويمكن للاتحاد الأوروبي أن يكون مثالاً حياً لكل الدول التي لم تنجح في تجاوز خلافاتها بعد.

رئيس وزراء اليونان

opinion@albayan.ae