(يبدو أن الكاتب ينظر بعين واحدة، ولم ير في الصراع الدائر بين الإسلام والغرب إلا بعض حوادث الاعتداءات النادرة التي قام بها غربيون على مسلمين تسللوا إلى الغرب وأرادوا أن يفرضوا بها قيمهم على المجتمع الغربي، في حين أنه غاب عن نظره الآلاف من الاعتداءات التي يقوم بها مسلمون متطرفون على المسيحيين في كافة أنحاء المعمورة).
(لماذا خرست أقلام الإعلاميين العرب والمسلمين عن حادثة قتل أسقف كاثوليكي في تركيا في أعقاب حادثة السفينة مرمرة، وقبلها قتل سياسي أرمني في وسط الشارع لسبب ديني بحت، وغيرها من عشرات حوادث الاعتداءات التي طالت مسيحيين في تركيا، وهل أتاك حديث الاعتداءات على المسيحيين في إندونيسيا وغلق كنائسهم ونهب محلاتهم، وماذا تسمي حرق الكنائس في ماليزيا؟).
هذان نموذجان من الردود التي وردت من بعض القراء على موقع «إيلاف» الإلكتروني، الذي نشر نقلاً عن جريدة «البيان» المقال الذي كتبته الأسبوع الماضي بعنوان «الإسلام والغرب.. من أدخلنا هذا النفق؟».
لم أتدخل فيهما إلا بتصحيح الأخطاء النحوية والإملائية، أوردتهما لأبين مدى الهوة التي تفصل بين المسلمين والمسيحيين، ليس في الغرب فقط، وإنما في الشرق أيضاً، حيث يفترض أن تكون قواعد النظرية مختلفة تماماً وبعيدة عن الصدام الذي يحكم هذه العلاقة؛ صدام الحضارة والثقافة والمصالح التي ينظر من خلالها الغربيون إلى طبيعة العلاقة بينهم وبين الشرق، بغض النظر عن ديانة من يقيم في هذا الشرق إذا اصطدمت مصالحهم مع مصالحه.
تعليق قارئي «إيلاف» الكريمين، يأتي متسقاً مع رأي القارئة الكريمة التي لفتت نظري في تعليقها على موقع «البيان» الإلكتروني، إلى أنني (عندما اقتصرت على ذكر النماذج السلبية المعادية للإسلام، دون تبيان حالات التعصب الإسلامي على الضفة الأخرى من النهر.
أسهمت في شحن النفوس الجاهلة التي تتلقف أية قضية لتتخذها شعاراً في معركتها ضد الغير، في ما أشرت إلى دورنا في إذكاء الحريق من طرف خفي وعلى عجالة)، وهذه واحدة من السلبيات التي يجب أن نعترف بها في بعض خطاباتنا، فنحن لا نرى غالباً إلا جانباً واحداً من الصورة هو الذي يدعم وجهة نظرنا (وإن كنت لم أتقصد ذلك).
بينما هناك جوانب أخرى لو نظرنا إليها لكنا أكثر موضوعية وعدلاً ومنطقية في أحكامنا. ولعل للإخوة المسيحيين عذرهم في اتخاذ بعض المواقف، عندما يرون ما يدور بيننا نحن المسلمين من معارك تسفك فيها الدماء وتزهق الأرواح بين أبناء الدين الواحد، لاختلاف المذهب لا العقيدة، وما يجري على أرض العراق من صراع مذهبي، ذهبت وتذهب ضحية له حتى الآن آلاف الأرواح من السنة والشيعة، خير شاهد على ذلك..
والحقيقة أن كل هذا لا يعفينا نحن المسلمين من تحمل مسؤوليتنا في هذا الصدام الذي يزداد تأججاً، فعندما يدعو الرجل الثاني في تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب يوم غرة شهر رمضان المبارك، مؤيدي القاعدة.
إلى أخذ المسيحيين الذين يعيشون في المملكة العربية السعودية رهائن وقتلهم (هكذا دون تمييز أو مبرر)، تصبح هذه الدعوة مبرراً للإخوة المسيحيين كي يتهموا المسلمين بالتعصب.
حتى لو أعلنا براءتنا من هذه الدعوة بحجة أنه ليس كل المسلمين هم القاعدة، وليسوا كلهم مؤيدين لما تدعو إليه، تماماً كما أنه ليس كل المسيحيين هم «تيري جونز» الذي دعا إلى حرق المصاحف في الذكرى التاسعة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وليسوا كلهم منتسبين إلى كنيسة «دوف التبشيرية» التي ينتمي إليها.
وحين يطالعنا بعض الفضائيات الدينية بخطاب ديني متطرف يلغي الآخر، يصبح من حق هذا الآخر أن يأخذ هو أيضاً موقفاً متطرفاً منا، حتى لو طلبنا منه ألا يضعنا جميعا في سلة واحدة، لأن مثل هذا الخطاب لا يمثل أي دين ولا شريعة.
أين يكمن الخلل إذن، إذا كانت الأديان السماوية كلها تدعو إلى المحبة والتسامح والتعايش من أجل عمارة الأرض وخير البشرية جمعاء، دون تفرقة بين إنسان وإنسان بسبب دينه أو لونه أو عرقه؟
إنه فينا نحن البشر الذين نفسر تعاليم هذه الأديان حسب أهوائنا وميولنا واتجاهاتنا، وترى كل فرقة منا أنها وحدها التي تحتكر الحقيقة وأن الآخرين كلهم على خطأ، وتعتقد بأنها تمتلك مفاتيح الجنة، تدخل فيها من تشاء وترسل من تشاء إلى الدرك الأسفل من النار.
من الذي غذى هذه الفكرة وجعلها تسيطر على عقول فئة من أتباع بعض الديانات؟ إنهم المتطرفون من كل جانب، وهذه ليست حالة فريدة اختص بها عصرنا هذا، فقد مرت البشرية عبر تاريخها بالكثير من أمثال هذه الفرق المتطرفة، التي تظهر في كل حقبة لتثير الرعب وتنشر الخراب في أنحاء المعمورة.
لكنها ما تلبث أن تنحسر لتعود الحياة إلى طبيعتها، لأن الاعتدال هو الأصل، أما التطرف فهو طارئ، ولو أن البشرية عاشت حياتها كلها رهينة في أيدي المتطرفين لما أنجزت شيئاً مما شهدته عبر مسيرتها.
لذلك نحن مطمئنون إلى أن الأمور ستعود إلى نصابها، شريطة ألا نساعد هؤلاء المتطرفين على تحقيق أهدافهم، وأول ما يساعدهم على ذلك هو الاستجابة لاستفزازهم لنا، والانسياق وراء الأفكار التي يدعون إليها ويروجون لها دون تفكر وبصيرة.
تماما مثلما نردد «آمين» خلف بعض الأئمة في المساجد وهم يرفعون أكفهم بالدعاء بعد كل صلاة: (اللهم دمِّر اليهود والنصارى.. اللهم شتت شملهم.. اللهم رمِّل نساءهم..
اللهم يتِّم أطفالهم)، دون أن نسأل أنفسنا: لماذا نضع اليهود والنصارى كلهم في سلة واحدة؟ ولماذا ندعو على أولئك الذين لم يسيئوا إلينا ولم يحاربونا منهم؟ ولماذا نصادر حق المعتدلين منهم في الاعتراض على مثل هذه الدعوات والأدعية التي تفرق ولا توفق؟!
كاتب إماراتي
aliobaid4000@yahoo.com
