كان وجودي خارج الدولة خلال الأسابيع الماضية، فرصة لأجد متسعاً من الوقت لقراءة ما لم تتيسر لى قراءته من كتب وتقارير بقيت في انتظار الوقت المناسب، وبما أنني من المتابعين لما ينشر حول تقارير الدول بشأن منجزاتها للأهداف التنموية للألفية، وعلى نحو خاص ما حققته دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا الشأن الهام، فقد أوليت اهتماما خاصا لهذا الجانب.

يدرك القارئ المهتم أن 189 دولة الأعضاء في الأمم المتحدة، اعتمدت في عام 2000 ما يعرف الآن بإعلان الألفية، الذي عبر عن رؤية دولية جماعية للعيش في عالم أقل فقراً وجوعاً ومرضاً.. عالم تسود فيه المساواة في الفرع الاجتماعي وتتوفر فيه فرص التعليم للجميع.

تمثل الأهداف الإنمائية للألفية إطاراً مرجعياً لغايات ثمانية (8) يمكن من خلالها قياس التقدم المحرز.. وقد حدد الإعلان عام 2015 الموعد المقرر لتحقيق ما يمكن تحقيقه من تلك الأهداف، والتي جاءت على النحو التالي:

* القضاء على الفقر المدقع والجوع.

* تعميم التعليم الابتدائي.

* تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة.

* تخفيض وفيات الأطفال الرضع.

* تحسين صحة الأمهات.

* مكافحة فيروس نقص المناعة المكتسب.

* إصحاح البيئة.

* إقامة شراكات عالمية.

والمعلوم أن قمة التنمية الاجتماعية التي انعقدت في كوبنهاغن، كانت قد تبنت مشروع الأهداف الإنمائية في وقت تشير فيه تقارير الأمم المتحدة إلى أن العالم يشهد تحولات هيكلية غير مسبوقة.. وأن عدد ضحايا النزاعات المسلحة يتفاقم.. وأن أعداد اللاجئين بلغت 16 مليون لاجئ، وأن أكثر من 42 مليون نسمة هم في عداد المشردين، انضم إليهم الآن ضحايا فيضانات وسيول باكستان والصين.. والحرائق التي فتكت بمزارع القمح في روسيا..

وهكذا تتفاقم أزمة الجوع والفقر المدقع.. فأين العالم من تحقيق الهدف الأول؟ بالنسبة للتعليم، وهو الهدف الثاني.. ما زال نحو 38 ملبون طفل في سن المدرسة الابتدائية، خارج المدارس حتى الآن..

مع أن جهوداً بذلت لإلحاق التلاميذ بالمدارس الابتدائية، حيث انخفض عددهم من 103 ملايين إلى 73 مليونا عام ,,2006. والشاهد أن معدل التحاق البنات بالتعليم العالي تجاوز نسبة الأولاد، بسبب التسرب بين البنين لدخول سوق العمل في أنحاء عديدة من دول العالم.

وحول وفيات الأطفال، يشير تقرير الأمم المتحدة إلى أن نحو 15 مليون طفل يموتون لأسباب كان بالإمكان الوقاية منها، خصوصاً في دول جنوب الصحراء الكبرى.. أما وفيات الأمهات فما زالت على ارتفاع غير مقبول في الدول النامية، حيث توفي عام 2009 ما يزيد على 500 ألف امرأة، إما أثناء الحمل أو أثناء الولادة أو بعد الولادة، بسبب تعقيدات كان بالإمكان تفاديها.

لعله من الأهمية الإشارة إلى أنه في كل يوم يصاب نحو 7500 شخص بفيروس نقص المناعة المكتسب، بسبب تراجع دور الإرشاد الصحي وتدابير الوقاية والعلاج، ولذلك ارتفع عدد الذين يعيشون وهم يحملون الفيروس، من 29 مليونا إلى 33 مليونا يعيشون جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية!!

أما حول قضايا المناخ، فهانحن نعيش تداعيات تغيير المناخ.. ففي لندن شهدنا في شهر يوليو المنصرم ثلاثة فصول في يوم واحد.. ومع طلائع أغسطس الحالي تبدل الطقس تماماً، ويكفي الاستشهاد بفيضانات باكستان والصين وحرائق روسيا.

وقبل أن نختم هنا المقال الصيفي... بقي أن نسلط الضوء على الهدف الأخير من أهداف الألفية، الداعي إلى ضرورة تبني الدول لمفاهيم الشراكة الإقليمية والدولية.. فمع أهمية تطوير ميادين التعاون المشترك دفاعاً عن المصالح الاستراتيجية المشتركة، إلا أن الأزمة المالية العالمية التي تحولت إلى أزمة اقتصادية، ألقت بظلال كثيفة على المناخ السياسي والاقتصادي في معظم دول العالم.

حيث تراجعت أسعار صرف العملات العالمية إلى مستويات قياسية، وكاد «اليورو» أن يغرق في طوفان الكساد الذي اجتاح اليونان ويقف متحفزاً على أعتاب إسبانيا وهولندا.. وقد انعكس ذلك على المساعدات الإنمائية التي كان يفترض أن تقدمها بلدان لجنة المساعدات الإنسانية التابعة لمنظمة التعاون والتنمية.

بقي أن أقول إن كل دول العالم التي تعهدت بتنفيذ أهداف الألفية الإنمائية، تجاهد يوماً بعد يوم لردم الهوة التي تفصل الواقع الراهن والتوقعات المستقبلية، بل إن بعض الدول تراجعت كثيراً عما كانت عليه أوضاعها التنموية عام 2000، وأن المدة المتبقية لن تكفي بأي حال من الأحوال لبلوغ أي من غايات الأهداف الثمانية.

كاتبة إماراتية

moza@bmig.ae