بعد طول أخذ ورد وتفاوض وتهديدات وعقوبات ، أطلقت إيران محطتها النووية الأولى في بوشهر ودون أن تذعن لشرط عدم تخصيب اليورانيوم على أراضيها كما احتفظت بحق تدريب الفنيين الإيرانيين على تشغيل المحطة التي ستكون خاضعة لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ورغم إعلان واشنطن أن تشغيل محطة بوشهر النووية لا ينطوي على مخاطر انتشار نووي إلا أن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية .
اعتبر أن ايران ليست بحاجة لامتلاك قدرات خاصة بالتخصيب لوكانت نواياها سلمية ولكن تصريحات رئيس البرنامج النوري الايراني امس تؤكد أن إيران ستواصل تخصيب اليورانيوم بالقدر الذي ستحتاجه لذلك فإن موقف واشنطن يبدو وقد تجاوزته الأحداث على الأرض أو كما يقول العرب سبق السيف العزل فإيران ستستأنف برنامجها النووي السلمي وبشروطها التي لا يقبلها الأميركيون والاسرائيليون كما أن الحديث عن هجوم على منشآت إيرانية نووية يبدو هو الآخر.
وقد تجاوزته الأحداث باعتباره أصبح مسكوتا عنه والواقع ان هذا المشهد الاقليمي الفريد يشكل بداية نهاية مقبولة لأزمة المفاعل النووي الايراني فمقارنة بوضع كوريا الشمالية فإن الموقف الأميركي الاسرائيلي الأوروبي الذى يدأبون على تسميته الموقف الدولي كان بمثابة أحكام مسبقة على طهران وقائمة على الشك والظن.
حيث كانت قد نفذت كوريا الشمالية برنامجا نوويا شاملا الاستخدام العسكري رغم كل المحاولات لوقفها رغم ظروفها الاقتصادية السيئة فمن باب أولى يصبح من حق الدول الأخرى ان تمتلك برنامجا نوويا طالما تؤكد انه سلمي في عالم يعج بالمخزونات النووية الخطيرة وأخطرها الترسانة النووية الاسرائيلية التي تهدد المنطقة العربية بكاملها والتي تحتاج بشدة إلى برامج نووية سلمية لتسريع مشروعات التنمية وتوفير الطاقة الحفرية الناضبة إلا أن اسرائيل مازالت تعرقل هذه التجربة الطموحة وقد شكا الأردن بالفعل من أصابع اسرائيلية تعمل على الحيلولة دون اتمام التعاون النووي الأميركي الأردني .
وفي الحقيقة فإنه ينبغي التخلي عن سياسة الحظر بل ينبغي تشجيع كل دول المنطقة على امتلاك برامج نووية تحت رقابة الوكالة الدولية أيضا إذ إن المواد النووية اصبح من السهل تهريبها والإصرار على التصعيد يعني دفع الآخر الى العمل السري وهنا مكمن الخطر فالبرامج النووية في الهند وباكستان وكوريا الشمالية واخيرا إيران تمت بتعاون خارجي وتخصيب محلي لليورانيوم ولم يعكس ذلك أي خطر محتمل رغم الخلافات السياسية القائمة في جنوب وجنوب شرق آسيا .
ونأمل ان يكون التعاطي السلمي مع محطة بوشهر نموذجا لتفاهمات مماثلة تحفظ حق الدول في استثمار ثرواتها الطبيعية لصالح شعوبها دون اشتراطات وتهديدات وضغوط لاختصار الوقت والجهد في مسيرة التطور القائم على الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وفي كل الأحوال ليس من اخلاقيات العمل السياسي ان يسعى من يملك لحرمان من لا يملك التقنية النووية فالسلم الدولي لا تصنعه التهديدات .
