التطور التقني ، وشيوع النشر حتى في ما كان يعتبر محرّماً، أو يهدد أمن أي دولة، أنهيا السرية لأي معلومة، وفي موضوع «ويكيلكس» الذي نشر آلاف الوثائق حول حرب أفغانستان مع دول التحالف، أكد أن الرقابة مهما وصلت إليه من إحكام سيطرتها، فإنها لا تستطيع منع المعلومة إذا كانت ضد المصالح الوطنية، والأمر بالنسبة لأمريكا محرج سواء مع رأيها العام، أو مع الحكومة والشعب الأفغانيين، لكن عجز السلطات الأمريكية عن إيقاف النشر يأتي من قانونية، أو لاقانونية ما كُشف من أسرار، طالما حرية النشر هي التي نزعت سلطات الرئيس نيكسون، والعقوبات مهما وصلت إليه إذا كانت الوثائق صحيحة، فإن المبرر يصبح حقاً قانونياً لصالح فضح المعلومة..
على الطرف الآخر، أي العالم الثالث، يأتي المنع من خلال تشريع تسنه الدولة فيمكن التحفظ على الأشخاص الذين ينتقدون، أو يعترضون على أي ممارسات سياسية ، أو تلاعب بالأموال العامة، وقد تصل العقوبة إلى السجن والتصفية بذرائع خطورة الأشخاص على الأمن الوطني، وهو تفسير يمكن أن يعطي الحكم بالإعدام إذا لم يرتدع من يعارض السلطة.
ولعل أنواع المنع والرقابة والملاحقة لا تقتصر على الجانب الأمني حين تمنع مسرحية، أو يُتحفظ على مسلسل أو فيلم سينمائي، أو مصادرة كتاب، أو منع كاتب من ممارسة عمله، وغالباً مَن سنّ هذه القوانين في المنطقة العربية هم مَن وصلوا السلطة بانقلاب أو اغتيال، والقضية لا تعدو عدم ثقة عندما يصبح الجهاز الأمني هو دولة داخل الدولة، يعطي التحذيرات أو التقارير التي لا تتطابق مع الواقع، ليصبح الضحية مواطناً حاول ممارسة حريته وحقه العام..
المفارقة العجيبة أن هذه الدول تتبنى هيئات ومؤسسات حقوق الإنسان لكنها تمنع الحقوقيين والمحامين من الترافع عن أصحاب الشبهات أو المتحفّظ عليهم لأي سبب ، والمأساة الأكبر أن تلك الدول تعطي نفسها مسمى الدول الديموقراطية، وتضيف إليها الاشتراكية أو دولة القانون..
المعارف والتواريخ وكلّ ما يتصل بنهضة أي شعب، تقاس بحريته، والحرية تصبح أداة الرقابة على أي مخالفات مادية أو معنوية، وهي السر الذي جعل أوروبا تصبح حاضن الحضارة الحديثة، عندما أطلقت قدرات شعوبها، ومنحتهم الدساتير حق الانتخاب وإبداء الرأي، ورفع الدعوى أمام قضاة يلتزمون القوانين العادلة، وحتى خروج المظاهرات والإضرابات كفلته تلك القوانين، حتى إن هناك تغييرات جوهرية في سلوك الدول المتقدمة جاءت من تلك الاحتجاجات والضغوط الشعبية..
الإنترنت ومن خلال عالمها الواسع أصبحت الوسيلة التي تفضح كل شيء، لكنها أحياناً تدخل في عملية تصفية الحسابات مثل الصدامات بين المواقع التي تدافع ، أو تذم وتتهم بدون سند قانوني، ومع ذلك أحدثت ردَّ فعل حاداً عندما تحولت إلى الرقيب الذي لا يخضع للمساءلة والتي تصل إلى حد الفوضى، لكنها تجربة لها سلبياتها وإيجابياتها..
