خلال فترة الانتقال من الصيف إلى الخريف، ساد شعور مميز بنهاية مرحلة في مغامرة الولايات المتحدة في العراق. وبدأت تتصاعد أحداث العنف مجددا،بعد أن كانت قد انحسرت. ودخلت الولايات المتحدة المراحل الأخيرة في سحب قواتها العسكرية.

مخلّفة قوة غير عسكرية تتألف من 50 ألف جندي لعام آخر. وبعد مضي أكثر من خمسة أشهر على الانتخابات في العراق، فلا يزال العراق غير قادر على ترجمة النتائج إلى تشكيل حكومة.

وبعد عام من رحيل آخر جندي بريطاني من جنوب العراق، أعلن رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير أنّه سوف يتبرع بعوائد مذكراته الشخصية للفيلق الملكي البريطاني لصالح مركز تأهيل القوات المسلحة. ويبدو أن العراق يشرف على مستقبل غير مستقر، حتى في الوقت الذي سوف يبدأ الجميع في استعادة ذكريات الماضي.

شهد العراق انفجارات على مدار أسابيع، أودت بحياة عشرات العراقيين وجرح 100 في مركز التعبئة العسكري ببغداد. فقد شهد شهر يوليو الماضي أعلى معدل لضحايا العنف، أكثر من أي شهر آخر خلال عامين. ومن الواضح، أن هناك من يريدون استغلال مناخ عدم الاستقرار لمصالحهم الشخصية، في الوقت الذي بدأت الولايات المتحدة في تخفيض وجودها بالعراق.

وليست هناك أية مؤشرات مقنعة على تحسّن سريع للوضع في العراق. ففي الولايات المتحدة يظل التشاؤم مصاحبا لإنهاء العمليات العسكرية. ولأسباب أخرى، فإن الجدول الزمني لانسحاب القوات الأميركية لا يلقى ترحيبا كاملا بين الدوائر الرسمية العراقية، حيث قال قائد الجيش العراقي إن بلاده قد لا تكون قادرة على إحكام سيطرتها الأمنية عليها لعشر سنوات أخرى.

وتزيد الأزمة السياسية التي أعقبت الانتخابات العراقية الأمور سوءا. فلا يزال رئيس الوزراء نوري المالكي يرفض التخلي عن السلطة لإياد علاوي، والذي تفوقت كتلته بمقعدين في البرلمان عن المالكي. وجاءت التفجيرات الأخيرة في أعقاب قرار علّاوي بتعليق محادثات تشكيل التآلف الحكومي.

وهناك تكهنات بأن يؤدي الفراغ السياسي في العراق إلى منح تنظيم القاعدة فرصة لشن غارات جديدة. وسواء ثبتت صحة هذه التكهنات أم لا، فإنها تعد في ذاتها أمرا مزعجا.

فهي تنطوي أيضا على مفارقة لاذعة، مفادها أنه في الوقت الذي تستهدف العمليات العسكرية الغربية في أفغانستان تجنب التهديدات، فإن هذه المخاطر ربما تكون قد وجدت الفرصة الآن لتوطيد نفسها في العراق. ويعطي هذا الوضع دليلا جديدا على الطريقة المشينة التي ارتد بها هذا الغزو المضلل، وبدلا من تعزيز أمن الغرب، ضاعف التهديد.

فقد كان هذا جزءا من الخلفية التي يتعين النظر إليها، في مقابل الإعلان الذي صرح به توني بلير أخيرا، وهي خلفية الحرب الحمقاء بإدارة غير حكيمة وربما حرب غير شرعية، والتي التزم بدعمها توني بلير كرئيس للوزراء حينئذ.

فلم يكن دعما شخصيا فقط، وإنما منحها سمعة بلاده، وعلى حساب أرواح قوات بلاده، وقدر كبير من ميزانيتها. أم الجزء الأخر من الخلفية، فقد كانت المعنويات الداخلية في بريطانيا.

وربما لم تعد أخبار حرب العراق تتصدر صفحات الصحف البريطانية بانتظام، نظرا لعدم وجود جنود بريطانيين هناك. وكما أظهرت ردود الأفعال المثيرة تجاه التبرع الذي أعلنه بلير فالحرب تظل حاضرة في الأذهان، وتتسبب في إحداث انقسامات كما في البداية تقريبا.

ويتعين الاعتراف بأنه سيكون هناك جانب إيجابي لتراث بلير، وهو جانب يقر ضمنا بالتكلفة البشرية لقراره القاتل. ولكن هذا الجانب لن يمحو الضرر الباقي الذي وقع، ولن يعوّض أحدا عنه.