ربما لم يسترع التصريح المهم الذي أطلقه الرئيس المصري مبارك حول مياه النيل في الأسبوع الماضي الكثير من اهتمام الرأي العام الداخلي الغارق في طوفان مسلسلات رمضان التلفزيونية وأسئلة التوريث والتمديد في انتخابات الرئاسة في العام القادم.
التي تطغى على انتخابات مجلس الشعب التي ستتم في نوفمبر هذا العام والتي يبدو الجميع مقتنعاً بأن نتائجها محسومة سلفا، والأهم من ذلك كله عند الرأي العام معركة لقمة الخبز اليومية وسط غلاء يتصاعد بصورة خطيرة ونقص في الكهرباء والمياه وظروف اقتصادية صعبة ونسبة بطالة تمثل قنبلة موقوتة.
وسط هذه الظروف كلها، ربما لم يلتفت الكثيرون إلى تصريح الرئيس مبارك المهم حول مياه النيل، ولا أظن أنه كان يوجهه إلى الداخل حين خرج عن السياق في احتفال محدود بافتتاح أحد المشروعات الصغيرة الخاصة بالطرق ليطلق تصريحه الذي حمل رسالة واضحة أكد فيها أن (مياه النيل لن تتخطى حدود مصر مطلقاً).
ثم حرص على أن تصل الرسالة إلى العنوان المقصود بالتأكيد على أن (العريش هي آخر نقطة سوف تصل إليها خطوط المياه).
لماذا؟ وما هو الجديد الذي استدعى مثل هذا التصريح في هذا التوقيت؟ إن دول المنبع التي تخوض ـ بزعامة أثيوبيا ـ معركة حول حصة مصر في مياه النيل وترفض ـ حتى الآن ـ الاعتراف بالحقوق التاريخية والاتفاقيات السابقة التي حددت نصيب دولتي المصب مصر والسودان، هذه الدول تعرف هذا الموقف المصري وليست في حاجة لتأكيده.
بل ربما العكس هو الصحيح عند بعضها على الأقل، حيث تزايد النفوذ الإسرائيلي، ومعه الإغراءات بإمكانية بيع فائض المياه لديها وتمريره لإسرائيل عبر مصر، وجعل ذلك شرطاً للحفاظ على حصتها من المياه، وهو أمر ترفضه مصر جملة وتفصيلاً.
ولكن إسرائيل لا تفقد الأمل، وتواصل العمل لتعزيز نفوذها في دول المنبع، وتراهن على تطورات قد تكون في صالحها مثل انفصال جنوب السودان الذي بشرنا أحد مسؤوليه في تصريحات صحفيه للصحف المصرية أخيراً أنه ـ بعد الانفصال ـ سيعترف بإسرائيل!!
إن حلم وصول مياه النيل لإسرائيل سبق قيام الدولة نفسها، وقد انتعش ذات يوم حين فاجأ السادات الجميع بحديث عن مشروع لتوصيل مياه النيل للقدس، وهو ما أثار معارضة هائلة اضطرته للتراجع، خاصة مع التحذير عن عواقب مخالفة الاتفاقات الدولية لمياه الأنهار.
ثم رحل السادات وانطوت هذه الصفحة، ولكن الأمل الإسرائيلي لم ينقطع، والتآمر على مصر والسودان لم يتوقف. وتراجع الدور المصري في إفريقيا أعطى الفرصة للتسلل ثم لتثبيت المواقع والنفوذ من جانب إسرائيل.
وقد تحركت مصر في الفترة الماضية وبعد انفجار الخلاف مع دول المنبع، وبذلت جهوداً لدفع العلاقات مع هذه الدول للأمام خاصة في الجوانب الاقتصادية حيث المجالات تتسع لتعاون يفيد كل الأطراف.
وتذكرت مصر الرسمية، وذكرّها زعماء بعض هذه الدول، بما كان الأمر عليه حين كانت القاهرة هي مركز حركة تحرير إفريقيا كلها في عهد جمال عبد الناصر، وكيف فرطت القاهرة بعد ذلك في هذا التاريخ وأهملت علاقاتها الأهم بدول القارة السمراء.
والمهم أنه رغم استمرار الخلاف في وجهات النظر فإن التواصل مستمر والصدام مستبعد. والأهم أن إسرائيل ليست طرفاً إلا من حيث تحريضها بعض دول المنبع على التصعيد مع مصر.
ومن هنا يأتي السؤال عن مغزى تصريحات الرئيس مبارك وتوقيتها، فالموقف المصري من أطماع إسرائيل في مياه النيل واضح لدول حوض النيل ولإسرائيل. والرسالة عندما تجيء من الرئيس نفسه فلابد أنها رد على موقف جديد لا أظن أنه يمكن أن يصدر إلا عن الجانب الأميركي والذي لابد أن يسعده أن تصبح إسرائيل من دول حوض النيل!!
والذي يمكن أن يضع نفوذه وراء تمرير مثل هذا المشروع، والذي يملك أوراق الضغط التي يمكن أن يستخدمها في الوقت المناسب لصالح حليفه الأساسي في المنطقة. وربما يكون الرد الحاسم والعلني من جانب مصر استباقاً لتحرك رصدته القاهرة أو تلميحات بهذا الشأن أرادت قطع الطريق عليها وعدم ترك أي مساحة للظن بإمكانية تمريرها في أي ظروف.
وإذا كان هذا التصور صحيحاً، فإنه يعني بلا شك أن محاولات تعطيل التوافق بين مصر والسودان من ناحية ودول منبع النيل من ناحية أخرى سوف تستمر، وأن محاولات استخدام أوراق الضغط الأميركية لن تتوقف.
وإذا كانت واشنطن قد لوحت في مواقف كثيرة سابقة بأوراق المساعدات الاقتصادية والعسكرية، فيجب ألا نستبعد محاولات لتعطيل برنامج مصر لإنشاء المحطات النووية أو محاولة إلزامها بشروط رقابة إضافية على نشاطها وهو ما ترفضه القاهرة تماماً.
ومع ملاحظة أن الرئيس المصري قد أعطى قبل أيام إشارة واضحة إلى فشل محاولة بعض رجال الأعمال من أصحاب النفوذ في الحزب الحاكم الاستيلاء على موقع «الضبعة» المخصص لإقامة أول محطة نووية في مصر بحجة عدم الإضرار بمشروعاتهم السياحية في الساحل الشمالي.
حيث أشار الرئيس مبارك إلى أنه رأى في فرنسا المحطات النووية بجوار الأحياء السكنية، وهو ما يشير إلى قرب صدور القرار الخاص ببدء العمل في المحطة النووية والتي كان يعني الاستيلاء على موقعها ضياع عدة مليارات أنفقت في الدراسات الخاصة بها، ويعني الأهم وهو تأخير البرنامج النووي لعدة سنوات، ولعل هذا كان ـ ومازال ـ هو المطلوب!!
كاتب صحافي مصري
galal.aref@hotmail.com