لا يكفي الرئيس الأميركي باراك اوباما ان يعلن انحيازه الكامل لإسرائيل حتى يرضى عنه اليمين الأميركي الذي يحاصر الرجل في كل شاردة وواردة قد يشتم منها ان اسم حسين لم يسقط من اسمه الأوسط كما أرادوا له يوم أداء القسم كاول رئيس أميركي من أصول افريقية.
اوباما في أكثر من مناسبة، وخاصة في الآونة الأخيرة أكد ضمان أمن تل ابيب، وتفوقها على جيرانها، ورأيناه يضغط على الفلسطينيين للدخول في المفاوضات المباشرة من دون شروط مسبقة بعد ان تمسكت السلطة الفلسطينية بملفي الأمن والحدود.
لكن الرئيس الأميركي المحاصر بأكثر من لوبي يدعم إسرائيل داخل دوائر صنع القرار الأميركي، أجبر الفلسطينيين على الذهاب إلى طاولة التفاوض المباشر من دون أي وعود، والاكتفاء بغطاء من لجنة المتابعة العربية لحفظ ماء وجه السلطة التي كانت تصر على الحصول على ضمانات أميركية بوقف الاستيطان على اقل تقدير.
هذا هو موقف اوباما في واحدة من أهم القضايا العربية، وهو أمر لم يخترعه الرجل فهو موقف تقليدي لكافة الرؤساء الأميركيين، فحتى من انخرط منهم في المساعدة على ايجاد تسوية سلمية، لم يخف ان الهدف في المقام الأول هو ضمان بقاء إسرائيل في مأمن عن محيطها العربي المعادي، متجاهلين ان تل أبيب هي السباقة دائما في فرض الحروب، والدمار وعدم الاستقرار على المنطقة منذ قيامها عام 1948.
الملف الفلسطيني ليس وحده الذي يحاصر اوباما، فاليمين الأميركي لم يترك أية فرصة إلا واتخذها ذريعة لإظهار العداء للعرب والمسلمين، وآخر تلك الفرص عندما أعلن اوباما تأييده لإقامة مسجد بيت قرطبة قرب موقع هجمات 11 سبتمبر في نيويورك.
حيث فتح اليمين بكل ألوانه المتطرف منها والمعتدل، النار على ما اعتبروه موقفا سياسيا، يسيء إلى أهالي ضحايا الهجمات الإرهابية التي جرت أحداثها قبل تسع سنوات.
اوباما الذي أشار إلى ان دفاعه عن بناء المجمع الإسلامي نابع من رغبة في ترسيخ (الحقوق الدستورية للمسلمين الأميركيين والحفاظ على أسس التعددية والتسامح التي هي في صلب النسيج الأميركي الحديث).
غير ان اليمين الذي يسعى إلى تحويل هجمات 11 سبتمبر إلى عقدة لدى الأميركيين على غرار عقدة الهولوكوست التي لا تزال الأوساط اليهودية والإسرائيلية ترفعها في وجه ألمانيا، لا يرى في بناء المجمع الإسلامي في نيويورك سوى مسايرة من اوباما (للتطرف الإسلامي).
الغريب ان هجوم اليمين ورموز في الحزب الجمهوري على الرئيس الأميركي لم يحظ برد من داخل المعسكر الديمقراطي الذي ينتمي إليه اوباما، وتهرب اغلب القادة الديمقراطيين من اتخاذ أي موقف قد يدفع عن الرئيس جزءا من حملة الهجوم، وتركوا البيت الأبيض يواجه وحده المعركة الشرسة.
فقد تجنبت رئيس مجلس النواب نانسي بيلوسي الدخول في معترك الأزمة، فيما اختار نواب آخرون من الديمقراطيين التلميح إلى ان اوباما لم يكن موفقا في الإعلان عن تأييده، بمناسبة شهر رمضان، بناء المجمع الإسلامي قرب موقع البرجين المنهارين في مانهاتن.
كما ان موقف البيت الأبيض بدا مرتبكا في البداية، قبل ان يعود ليؤكد في بيان ان الرئيس (لم يتراجع في أي شيء عن التصريحات التي أدلى بها، وانه اذا كان من الممكن بناء كنيسة أو كنيس أو معبد هندوسي في مكان ما، لا يمكن ببساطة حرمان هؤلاء الذين يريدون بناء مسجد من هذا الحق).
هكذا يجد اوباما أفكاره عن محاولة تحسين صورة أميركا في عيون المسلمين، تتآكل تحت معول ضربات اليمين، الذي يسعى بكل جبروته وتعصبه لسد كل الأبواب على تقارب جاد مع العالم الإسلامي، وتخفيف حدة التمييز والتعصب الأعمى تجاه المسلمين الأميركيين، التي أطلقت أعقاب هجمات 11 سبتمبر اللعينة.