في الماضي كان هناك نوع من التقدير والتبجيل لكل من يساهم في عملية الخدمة المجتمعية أو تبنى مشروعا خدميا يعود نفعه على كافة شرائح وطبقات المجتمع. فقد كان المجتمع في حاجة ماسة للخدمات العامة حيث لم يكن للدولة ميزانية معينة تصرف منها على مثل تلك الخدمات وبالتالي كانت إسهامات التجار مقْدرة اجتماعيا وسياسيا.

لم يكن هناك إعلام يبرز إسهامات هؤلاء الناس أو يضيف لهم رصيدا مجتمعيا أو هالة تحيط رؤوسهم، بل لم يكن هناك دافع يحثهم على المزيد من العطاء سوى ذلك الإحساس الرائع النابع من دواخل نفوسهم بأنهم يؤدون خدمة مجتمعية جليلة لمجتمعهم الصغير المحتاج.

فقد كان ذلك الإحساس الرائع وراء تلك الخدمات المميزة ذات المردود الدائم والمستمر التي قام بها أولئك الناس والذين ظلوا في ذاكرتنا وفي الذاكرة التاريخية عموما حتى يومنا هذا.

أصحاب القرار المجتمعي هؤلاء كانوا فئة صغيرة، بحكم الظروف الاقتصادية المعسرة، لكنها كانت قوة مؤثرة ليس فقط في نطاق مجتمعها الصغير بل على نطاق مجتمعات الخليج الأخرى المجاورة والتي كان أفرادها غالبا ما يشدون الرحال من منطقة إلى أخرى يرون أنها توفر لهم ما عجزت عنه منطقتهم القريبة من تسهيلات صحية أو تعليمية أو علاجية.

كان أصحاب القرار الاجتماعي هم في الغالب أصحاب القرار الاقتصادي الذين كونوا ثرواتهم من التجارة أو اللؤلؤ أو التصدير والاستيراد. هذه الفئة من رجال المال والأعمال والطواشين وغيرهم من أصحاب المال ملكوا إحساسا قويا بقيمة العمل الاجتماعي وفائدته ليس فقط على مجتمعهم الصغير بل على محيطهم الخليجي والعربي. ولذا واصلوا عملهم المجتمعي دون توقف واحتساب أجر.

لم يكن الإحساس بقيمة العمل الاجتماعي نابعا من ضغوط أو مطالب محلية بل عن رؤية وإيمان نابعين من تلاحم مجتمعي وإحساس بقيمة ذلك العمل الاجتماعي وانعكاسا لقيم الإسلام الحنيف الذي أوصى بالتكافل الاجتماعي وبتدوير رأس المال والاستفادة منه حتى لا يتكدس وبالتالي تضيع فائدته المجتمعية.

ولذا كانت معظم المشاريع التي تبناها هؤلاء مشاريع خدمية كالمدارس وعمارة المساجد والإنفاق على الطلاب المعسرين وفتح المجالس الخاصة لكي تكون مركزا خدميا لإطعام عابري السبيل وأيضا لكي تكون منارة إشعاع فكري واجتماعي.

أدرك أصحاب القرار الاجتماعي أهمية وقيمة التعليم في إنارة الدرب وفتح العقول وتوسعة المدارك وتهيئة المناخ الفكري الملائم، كما أدركوا دور التعليم في إزاحة سحب الجهل والتخلف، وبالتالي كانت أولى مساهماتهم المجتمعية هي في إنشاء المدارس ودور العلم والعناية بها. وعلى الرغم من بساطة التعليم المقدم إلا أنه كان تعليما مؤثرا حيث ساهم في بناء عقلية جديدة متطورة ومؤثرة ساهمت في تحديث مجتمعها وإثراء المناخ الثقافي والفكري.

لم تمر هذه الإسهامات دون تقدير من قبل أصحاب القرار السياسي الذين سرعان ما أشركوا أصحاب القرار الاجتماعي ـ الاقتصادي في مجالسهم السياسية كصناع رأي وأصحاب مشورة، ولم يكن هذا العمل ردا للجميل بقدر ما كانت الاستفادة من تلك العقول المنفتحة التي رأت أن الخير كل الخير ليس في تكديس تلك الأموال في الخزائن والاستفادة الشخصية منها بل في توظيفها لخير المجموعة البشرية وفي الواقع تدويرها لخدمة المجتمع ككل.

أصحاب القرار الاقتصادي اليوم يملكون أضعاف ما كان يملكه أسلافهم ولكن عندما ننظر إلى إسهاماتهم المجتمعية نجدها أنها لا تزال نقطة في بحر أسلافهم. الكثير منهم استفادوا من التسهيلات التي تقدمها لهم الدولة فنمت ثرواتهم حتى وصلت إلى مصاف الثروات العالمية، ولكن إسهامات تلك الثروات في الخدمة المجتمعية ما زالت ضئيلة.

فما زال أمام هذه الفئة طريقا طويلا لكي تصل إلى المستوى المؤثر الذي كان لأسلافها. قد يقول البعض إن الوقت قد تغير وأن الحكومة قد رصدت ميزانية ضخمة للإنفاق منها على مشاريع البنية التحتية وتحديث الخدمات. ولكن التنمية المجتمعية هي على الدوام مسؤولية مشتركة بين الأنظمة وأفراد المجتمع وأنه بدون تلك المشاركة لن تنجح أي تنمية مجتمعية.

من جانب آخر نجد أن قيم التكافل المجتمعي والتلاحم الإنساني التي كانت واضحة كل الوضوح في المجتمعات الإسلامية قديما، قد اختفت اليوم بينما نرى أنها في أوج تألقها في المجتمعات الغربية.

أصحاب رؤوس الأموال الغربيين الذين قرروا التبرع بنصف ثرواتهم لخدمة الأغراض الإنسانية ومحاربة الأمراض الفتاكة كشلل الأطفال والملاريا والكوليرا وغيرها هم في الواقع انعكاس لتلك الصورة الجميلة والقيم الإنسانية النبيلة.

فمن المؤكد أن هؤلاء توصلوا إلى قناعاتهم تلك بعد سنوات من العمل الجاد والمضني وبعد أن وصلت ثرواتهم إلى حدود قياسية غير محدودة. فجاء القرار الذي أرضى ضمائرهم وهو التبرع بنصف تلك الثروات للأعمال الخيرية والإنسانية والمساهمة في تغير ليس فقط وجه العالم ولكن تغير النظرة إلى رأس المال ككل.

خاصة بعد أن تولدت لدى الكثيرين نظرة سلبية عن سطوة رأس المال وهيمنته على مصائر البشر وقدرته على تغيير وجه العالم للأسوأ عن طريق الحروب والأسلحة الفتاكة ونشر الأوبئة. ولكن تظل قدرة رأس المال الخيرة القادرة على قلب تلك المعادلة بحاجة إلى مزيد من الضوء.

نحن بحاجة اليوم بحكم القيم المجتمعية والإنسانية الجديدة وبحكم تحول العالم كله إلى قرية صغيرة إلى أن نخلق مجتمع عالمي متكافل يساعد بعضه البعض ونتخلص من الكثير مخلفات وقيم القرون الوسطى القائمة على النظرة الضيقة إلى الأمور، والأنانية حين النظر لاحتياجات المجتمع.

نحن بحاجة إلى أن يشد بعضنا أزر البعض الآخر نحو السعي لخلق مجتمع خال من الفقر والمرض والجهل والسعي نحو مجتمع المعرفة والتنمية المتوازنة. ولن يتأتى لنا ذلك إلا بتكاتف السواعد بين جميع قطاعات المجتمع.

جامعة الإمارات

fatimaalsaayegh@hotmail.com