يطل علينا شهر رمضان المبارك هذا العام والأمة الإسلامية أحوج ما تكون إلى استلهام كل القيم السماوية النبيلة التي حملتها الرسالات السماوية العظيمة وخاتمتها رسالة الإسلام الخالدة، لكي تستعيد ذاتها ووحدتها ونهضتها، حتى تستطيع مواجهة كل التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تواجهها وتحبط كل المؤامرات الشريرة التي تحيط بها وتستهدف تقسيمها وإضعافها وإخضاعها لمشروعاتها الاستعمارية والصهيونية.

وشهر رمضان في حد ذاته أكبر جامعة لكل القيم السماوية الإيجابية العظمى وأكبر جامع لكل المعاني الإنسانية الخيرة الكبرى، يكفي أنه شهر القرآن الدستور السماوي الأعظم لكل الدساتير البشرية، وشهر الصبر، والصبر نصف الإيمان، وشهر الجهاد، جهاد النفس وجهاد الشر.

والجهاد نصف الصبر، وشهر الصيام والقيام، لكن أعظم ما فيه أنه أيضاً شهر الانتصارات العسكرية الكبرى في التاريخ الإسلامي القديم.. شهر انتصار بدر وانتصار فتح مكة وانتصار العاشر من رمضان في تاريخنا الإسلامي الحديث.

إن رسالات السماء كلها هي أجمل دعوة للرحمة، وأبلغ دعوة للحق، وأعظم دعوة للخير، وأعلى دعوة للعدل، فهي دعوة إلهية للإنسان لأن يصنع الخير لنفسه ولأخيه الإنسان، ويدرأ الشر عن نفسه وعن أخيه الإنسان أيضا.

ولهذا يبقي واجب على كل المسلمين في كل الأوطان والأقوام والمذاهب التراحم والتكافل والتضامن لإغاثة إخوتهم المنكوبين في باكستان ونصرة إخوانهم المحتلين في العراق وأفغانستان، وكسر الحصار عن المحاصرين في غزة، ورد كل عدوان أو تهديد بعدوان على شعب مسلم.

والتاريخ الإنساني كله منذ هبوط سيدنا آدم عليه السلام لعمارة الأرض وحتى قيام الساعة ما هو إلا سجل بشرى لأفكار وأقوال وأعمال الإنسان على الأرض من خير لنفسه ولأخيه الإنسان بهدى من الله خالق الإنسان والأكوان، أو من شر ضد نفسه وضد أخيه الإنسان بغواية الشيطان الذي ليس له على عباد الله المؤمنين من سلطان.

وفى حين يثور السجال بين الدعاة الحقيقيين للخير، وبين الأدعياء الزائفين للخير، فإن السجل الإلهي للتاريخ الإنساني عبر العصور والقرون والعقود هو السجل الناطق بالحق، والفاصل بين الظاهر والباطن، والفيصل بين الخير والشر.

وإذ يطل علينا هذا الشهر الكريم وأمامنا في الأمة الإسلامية التي يشكل الوطن العربي قبلتها وقلبها، وهمها وجرحها، ثلاثون يوماً يفترض أن تكون كلها أياماً كريمة لصنع الخير ولدفع الشر عن كل فرد وكل بلد في كل مجال من مجالات الحياة الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية.

ولأنه شهر كله خير بأيامه ولياليه، حيث في نهاره صيام وفى ليله قيام، وفى أوله رحمة وفى أوسطه مغفرة وفى آخره عتق من النار، فإن الشعوب الإسلامية تتطلع إلى أمرائها وعلمائها وإعلامها وقادة الرأي فيها تنتظر منهم دفع كل ما هو شر، وصنع كل ما هو خير، والانتصار لكل ما هو حق وعدل، وضد كل ما هو ظلم وظلام بالقول والفعل معا.

نتطلع إلى قول وفعل في اتجاه تحرير الأقصى والقدس وفلسطي وكل أوطان المسلمين من الغزاة المحتلين، وكسر الحصار عن المحاصرين، وإغاثة كل المحرومين، ونصرة كل المظلومين في بلاد المسلمين، وتحريم وتجريم الاقتتال الأهلي والانقسام الوطني والخلاف السياسي والمذهبي في أوطان المسلمين.

وإلى كل قول وفعل في اتجاه فرض السلام الأهلي والوحدة الوطنية والحوار السياسي والمذهبي بهدف أن يحل السلام بدلاً من الاقتتال، والتواصل بالحوار بدلاً من القطيعة، والوحدة بدلا من الفرقة، والتناصر بدلاً من التناحر، والأمن بدلا من الخوف، والعمار بدلاً من الدمار. نتمنى فعلاً حقيقياً في اتجاه مصالحات وطنية عادلة في فلسطين وفي العراق وفي لبنان وفي الصومال وفي اليمن والسودان، بل وفي كل مكان يدور فيه النزاع أو ينقطع فيه حبل التواصل والحوار بين عربي وعربي مسلم ومسيحي، وبين مسلم ومسلم، وبين مسلم وعربي.

نتمنى أن يكون رمضان هو وقفتنا السنوية مع ضمائرنا، ونقوم بمصالحات مع الله ومع أنفسنا وأهلنا، مصالحات إنسانية ولقاءات روحية لا سياسية، وصلوات جامعة لا مفرقة في خير شهر من شهور العام، لمن في توافقهم وتصالحهم كل الخير لأنفسهم ولأوطانهم.

فلا ينبغي أن تمر أيام الرحمة في الثلث الأول من رمضان دون رحمة وتراحم ودون مبادرات ووساطات لمصالحات عربية وإسلامية لتأكيد أننا عرب وأننا مسلمون سواء على مستوى القيادات أو الجماعات أو العائلات أو الأفراد.

ولا ينبغي أن تمر أيام المغفرة في الثلث الثاني من رمضان دون تسامح متبادل بين المسلمين والمسلمين على اختلاف أوطانهم وقومياتهم ومذاهبهم لتأكيد أننا مسلمون حقا وأننا أمة واحدة حقا، فلا يصح أن يتعامل معنا أعداء الإسلام على أننا أمة واحدة بينما نتعامل نحن مع العالم باعتبارنا أمم متعددة لا واحدة!

ولا ينبغي أن نتوقع أن نستغرق في العبادة، نصوم رمضان ونقوم لياليه ونتلو القرآن فيه ونتوقع العتق من النار في الثلث الأخير من رمضان، بينما نحن ننسي حكمة العبادات التي تترجمها المعاملات وتوجهها العقائد التي تقول في النهاية أن المؤمنون أخوة وأن المسلم أخو المسلم لا يقاتله ولا يتحالف مع غير المؤمن كيدا له، وأخيراً، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره.

نتوقع من قيادات الأمة على جميع المستويات وقفة رمضانية كريمة مع النفس للتراجع والمراجعة، والمبادرة في رمضان إلى فتح صفحات جديدة في العلاقات بينهم وبين شعوبهم، وإظهار العفو والتسامح والتصالح والتضامن فيما بينهم وأداء واجب النصرة لإخوانهم المستضعفين والواقعين تحت الاحتلال أو يعانون الحصار في «أيام الرحمة»، وضرب المثل الأعلى لشعوبهم.. حتى نتجاوز مانحن فيه إلى ما نتطلع جميعاً إليه.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com