ليس هناك أي سبب منطقي وموضوعي، يبرر للحركة الشعبية الجنوبية في السودان أن تنظر إلى اللغة العربية بالكثير من الكراهية. في حديثه عن دولة المستقبل المرجح قيامها في الجنوب، إذا أسفر استفتاء يناير 2011 عن فوز خيار الانفصال، أعلن أحد قادة «الجبهة الشعبية» أن اللغة الرسمية المعتمدة لهذه الدولة ستكون اللغة الإنجليزية.

بينما تتدنى اللغة العربية إلى درك اللغة الثانية أو حتى الثالثة. لكن هذا القيادي الجنوبي المرموق، وهو ايزكيل جاتكوت «سفير» حكومة جنوب السودان الحالية القائمة على نظام حكم ذاتي مؤقت، لم يشأ أن يفسر لنا الحكمة في هذا الترتيب اللغوي.

غير أن التاريخ القريب لجنوب السودان، الذي يمتد للوراء إلى عهد الإدارة البريطانية الاستعمارية التي انتهى أجلها في عام 1955 توطئة لإعلان استقلال السودان في العالم التالي، ليس في صالح توجه «الحركة» الجنوبية الراهن في معاداتها للغة العربية.

في منتصف عشرينات القرن المنصرم، استنت الإدارة البريطانية «قانون المناطق المغلقة» كنقطة انطلاق لشن حرب ثقافية استراتيجية، ضد انتشار اللغة العربية في الجنوب وضد انتشار الدين الإسلامي.

كان الهدف الأكبر للحكومة الإنجليزية ـ وكان هدفا علنيا معتمدا رسميا ـ هو فصل الجنوب عن الشمال عند نهاية المطاف، بعد التأكد من القضاء على استخدام اللغة العربية وتحويل الأجيال الصاعدة من أهل الجنوب إلى الديانة المسيحية.

تواصل تطبيق هذا النظام على مدى عشرين عاما، كان يجري خلالها منع الشماليين من زيارة الجنوب. أما الشماليون الذين كانوا يقيمون أصلا هناك، فقد حظر عليهم أداء الصلاة خارج المنازل.

وبينما كان يسمح للمبشرين المسيحيين الأوروبيين بممارسة النشاط التبشيري وسط الجنوبيين وفتح مدارس مسيحية وكنائس، كانت السلطات تفرض حظرا كاملا على أي نشاط تبشيري إسلامي.

أما على الصعيد الرسمي فإن اللغة التي كان مسموحا باستخدامها في دواوين الخدمة المدنية والجيش، هي اللغة الانجليزية دون غيرها. بل كان استخدام العربية يجلب لأصحابه عقوبات من بينها الحكم بالسجن.

رغم هذه الحرب الدينية الثقافية الشعواء، انتهت التجربة إلى فشل شامل. فقد بقيت اللغة العربية كلغة تواصل اجتماعي بين الجنوبيين.. ولم تفلح حملات التنصير الأوروبية لاجتذاب أهل الجنوب إلى المسيحية، إلا بنسبة تقل عن واحد في المائة.

قيادة «الحركة الشعبية» الجنوبية، ينبغي عليها الآن أن تتوقف لتستنطق التاريخ القريب لكي تسائل نفسها: لماذا التحيز للغة الانجليزية والتحيز ضد اللغة العربية؟

نتفهم طبعا أنه ليس للجنوب لغة قومية جنوبية للتواصل الاجتماعي، فالجنوبيون يتكلمون بأكثر من مئة لغة قبلية، بما يعكس التعدد اللغوي القبلي. وبناء على هذا التفهم، ينبغي ان نتفهم أيضا ان الجنوب كدولة مستقلة، بحاجة إلى لغة تواصل أجنبية «مستوردة». ولكن لماذا يقع اختيار «الحركة» الجنوبية على اللغة الانجليزية وليس اللغة العربية؟

في أدبياتها المتتالية منذ ظهورها إلى حيز الوجود قبل أكثر من ربع قرن كحركة قتالية ضد الشمال، تتحدث الحركة عن أهل الجنوب كشعب ينتمي إلى «الهوية الإفريقية»، وليس الهوية العربية الإسلامية.

وهنا يبرز تساؤل: أيهما أقرب إلى الهوية الافريقية: اللغة الانجليزية أم اللغة العربية؟

فلنقرر أولا استبعاد الانجليزية جملة وتفصيلا، فهي ليست إطلاقا من اللغات الإفريقية.

أما اللغة العربية فهي اللسان القومي للشعوب الواقعة بلدانها في الشمال الإفريقي: موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر. أضف إلى ذلك التأثير اللغوي العربي على أكبر لغتين إفريقيتين، هما «اللغة السواحلية» في شرق إفريقيا، ولغة «الهاوسا» في الغرب الإفريقي. ذلك أن الالفاظ والمشتقات العربية تشكل ما بين 40 في المائة و60 في المائة في اللغة السواحلية، ونسبة قريبة من ذلك في لغة الهاوسا.

صفوة القول أن العربية هي أقرب الألسنة الأجنبية لأهل جنوب السودان كلغة للتواصل الاجتماعي، بل أيضا كلغة للمناهج والدراسات والوسائل الإعلامية.

من الواضح إذن، أن إيزيكيل جاتكوت سفير حكومة الجنوب لدى الولايات المتحدة، ينطلق من تبخيسه للغة العربية من اعتبارات سياسية. لقد طرح رؤيته عبر موقع صحفي الكتروني في الإنترنت.

وما يلفت الانتباه بصورة خاصة، هو قوله إن دولة المستقبل الجنوبية ستكون من بين أولويات أجندتها إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. وفي تبريره لهذا التوجه، يقول إن دولة الجنوب المرتقبة تقتدي بالدول العربية الأخرى التي أقامت علاقات مع الدولة اليهودية، لكن السفير توقف عند هذا الحد لكي لا يقول إنه على امتداد عدة عقود زمنية، ابتداءً من عقد الخمسينات، ظلت حركات التمرد الجنوبية مرتبطة بإسرائيل التي كانت مصدرها الأكبر للسلاح.

إنه ارتباط حميمي يندرج في سياق الاستراتيجية الإسرائيلية ـ الأميركية تجاه القارة الإفريقية، وكما هو معلوم للقاصي والداني، فإنها استراتيجية تقوم على مرتكز العمل ضد اعتبارات الأمن القومي العربي والمد الإسلامي في القارة السمراء.

وهجوم قيادة «الحركة الشعبية» الجنوبية على اللغة العربية، ما هو إلا مقدمة تفيد بما سوف يؤول إليه أمر دولة الجنوب المرتقبة كقاعدة إسرائيلية أميركية.

كاتب صحفي سوداني

hisham200775@yahoo.com