عادت النباتات الاستوائية لتنتزع منطقة معتقل غوانتانامو سيئ الصيت التي أحاطتها الأسلاك الشائكة، وتم تحرير المعتقلين من قيودهم الفولاذية، في تحد صارخ لسيادة القانون.
فلا يزال هناك 176 شخصا محتجزين داخل القاعدة البحرية للقوات الأميركية في كوبا، حيث لا أمل لهم في الخروج. واستمرار اعتقالهم، بعد ثمانية شهور من الموعد الذي حدده الرئيس الأميركي باراك أوباما لإغلاق معسكرات الاعتقال، يعد تحديا متزايدا للقانون الدولي، ويؤدي إلى إضعاف السلطة الأخلاقية لأميركا.
ومما زاد من تقويض هذه السلطة، أخيرا، أن الإدارة الأميركية استأنفت جلسات استماع اللجان العسكرية فاقدة المصداقية، التي تضمنت جلوس جنود وبحارة وطيارين أميركيين أمام مجلس القضاء، لإصدار أحكامهم على من اتهموا بارتكاب جرائم حرب ضد الولايات المتحدة.
وأول قضية سوف تنظر فيها هذه اللجان، هي قضية الجندي الصبي عمر خضر ذي ال15 ربيعا، والمتهم بإلقاء قنبلة يدوية مما أسفر عن مصرع جندي أميركي في أفغانستان عام 2002.
ومحاكمة هذا الصبي أدانتها منظمتا حقوق الإنسان والعفو الدولية، اللتان أكدتا أن النهج الذي تتبعه الولايات المتحدة هو ما دفع العالم لتأكيد أن الصبية المعتقلين في مناطق الحرب في إفريقيا، لا بد من معاملتهم كضحايا وليسوا كمقاتلين.
وتعد قضية الصبي خضر تأكيدا على وجود العالم القانوني البديل، الذي يوجد فيه معتقل غوانتانامو. وبعد وقت طويل من مغادرة مؤسسي هذا المعتقل، فإنه يواصل تحديه لكل من إرادة رئيس وإدانة المجتمع الدولي.
ويبدو أن الرئيس أوباما عاجز فيما هو يرى إدارته تسقط في ثقب أسود قانوني. فلم يفعل شيئا يحول دون استمرار المحامين الحكوميين في الدفاع عن حق أميركا في سجن الأشخاص ثماني سنوات دون توجيه تهمة لهم أو محاكمتهم، وذلك بالمجادلة بأن الولايات المتحدة ما زالت في حالة حرب مع القاعدة وحركة طالبان.
لا شك أن نية الرئيس أوباما بالتعامل مع قضية خليج غوانتانامو، هي نية صادقة. وقبل توليه الرئاسة، قال إن إغلاق المعتقل سوف يبعث برسالة إلى العالم، مفادها أن أميركا جادة في ما يتعلق بقيمها.
ولكن أكبر عقبة أمام إغلاق معسكرات الاعتقال السبعة، ليس الخطر المتصور أنه يمثله السجناء ال176 في القاعدة البحرية، والذين يعيشون حياة آمنة نسبيا في بيئة جماعية على شواطئ مياه الكاريبي. فالعقبة الأكبر تكمن في السياسات الهدامة التي تحيط بأية محاولة للتعامل مع قضية غوانتانامو.
فعندما حاول البيت الأبيض تطبيق سياسة نقل المعتقلين، من خلال إنشاء سجن جديد بالقرب من شيكاغو في ولاية إلينوي، خاضت الإدارة الأميركية حربا شرسة لمواجهة المعارضين محليا وقوميا. في البداية، أبدى مواطنو إلينوي اعتراضات، وحينئذ هبّ الكونغرس لعرقلة أية خطة تتضمن نقل السجناء إلى معسكرات على الأراضي الأميركية.
والحقيقة أن الرئيس أوباما لم يعد لديه المزيد من الأفكار، وتخلى البيت الأبيض في هدوء عن فكرة إغلاق المعتقل. وأي حل دولي يبدو مصيره الفشل كذلك. فقد اكتشف أوباما من خلال هذه القضية، أن هناك قدرا ضئيلا من الاهتمام بإنقاذ أميركا من أكبر مشكلة تواجهها على صعيد حقوق الإنسان. أما المحاولات اليائسة لإيجاد مقار لمعظم المعتقلين الذين أطلق سراحهم، فقد واجهت طريقا مسدودا.
وهناك أيضا احتمال ضعيف لمحاكمة من يُسمّون بكبار المعتقلين المحتجزين في سجن انفرادي في المعسكر. وإذا لم يُجابه باراك أوباما الكونغرس والمعارضين داخل أميركا، فسوف تظل اللجان العسكرية وخليج غوانتانامو وصمة عار تلطخ سمعة إدارته والإدارات التي ستليها.
صحيفة «اندبندنت» البريطانية