لا يزال الشلل السياسي في العراق والذي بدوره ترك فراغًا أمنيًّا كبيرًا تتسع مساحته لتطول كامل التراب العراقي، واضعًا علامات استفهام كثيرة حول مستقبل العراق حكومة وشعبًا وتنمية واستقرارًا.
فقد أصبح هذا الشلل معضلة كبرى تنشب أظفارها لتنهش حياة المواطن العراقي المسكين الباحث عن الاستقرار، والأمن والأمان ورغد العيش من ماء نظيف وغذاء وفير وكهرباء وفرص عمل متاحة، ومشاركة في الحياة السياسية والتنمية والبناء، وتوقف للعمليات الإرهابية التي تطول كل بيت عراقي، لكن كلما مرت به الأيام أخذت تتقاذفه أمواجها المتلاطمة والمحملة بشد وجذب سياسي جراء التمترس الذي تبديه قيادات الكتل السياسية العراقية، كاشفة عن أنانيتها أولًا وعن طائفيتها ثانيًا، تاركة في الوقت عينه الساحة العراقية ساحة مفتوحة لكل الاحتمالات، وبراحًا يرتع فيها الإرهابي وصاحب المشاريع يعمل فيها عمله كيف يشاء ومتى يشاء وأين يشاء.
ويدفع فاتورة كل ذلك الشعب العراقي الذي أصبح على قناعة تامة بأن كل تلك الأحلام والأمنيات والأقوال والشعارات التي رفعت ورددت قبيل الغزو الأنجلو ـ أميركي من ديمقراطية وحرية التعبير وحرية المشاركة السياسية والتعددية ما هي إلا أضغاث أحلام غابت مع توالي الأيام من الغزو، لتعبر عن معانٍ وحقائق عكسية، لينقلب على عقبيه بأن الديمقراطية المحمولة على ظهور الدبابات والحرية المرسلة من قبل قاذفات (بي 52) و(اف 15 و16) لا مكان لها على أرض العراق ولن يكتب لها النجاح، بل أخذت تكشف يومًا بعد يوم عن خفايا وأسرار بأن تدمير العراق وسلخه عن محيطه العربي ونهب ثرواته أهداف استترت تحت تلك الشعارات.
ولذلك أي محاولة لعودة العراق إلى سابق عهده بلدًا موحدًا مستقرًّا مرفوضة تمامًا، وفكرة غير واردة خطوطها على الخارطة الجديدة المرسومة للمنطقة العربية. وللأسف يشكل أولئك الذين جاؤوا على ظهور دبابات المحتل الأميركي والبريطاني والذين يمسكون بزمام الأمور اليوم أدوات تنفيذ لأجندة المحتلين، في تناقض واضح مع ما كانوا يرددونه من شعار "العراق الجديد".
إن هذا الوضع السياسي والأمني المؤلم بدأ الشعب العراقي يضج منه، رافضًا استمراره وبلاده واقعة بين مطرقة أعمال العنف التي تتصاعد وتيرتها وسندان النقص الحاد في الخدمات الأساسية وأبرزها الكهرباء، ولا يوجد ما يشير في الأفق عن نهاية قريبة له، الأمر الذي دفع إحدى عشرة مجموعة من ممثلي منظمات المجتمع المدني إلى رفع دعوى قضائية ضد الرئيس المؤقت لمجلس النواب بهدف إنهاء الشلل السياسي في موضوع تشكيل الحكومة الجديدة رغم مرور خمسة أشهر على الانتخابات، وهذا ينم عن أن العراق بات ما يشبه برميل بارود يوشك على الانفجار.
خاصة وأن له أكثر من فتيل؛ فتيل العنف الذي أخذ يشهر مناجله مجددًا لتنحر في كل اتجاه من المدن والقرى العراقية كل يوم، مُعيدًا تلك الحلقة السابقة المؤلمة التي كان يتساقط فيها المدنيون الأبرياء بالعشرات، ولا ريب أن هذا ناشئ عن الفراغ الأمني نتيجة الشلل السياسي الذي يمثل فتيلًا آخر، وفتيل الحرمان الذي يعيشه الشعب العراقي من أبسط الخدمات الأسياسية ومتطلبات الحياة البسيطة.
ومن هنا جاء تأكيد مجلس التعاون لدول الخليج العربية على لسان أمينه العام معالي عبدالرحمن بن حمد العطية بضرورة استعادة الوفاق الوطني بين الكتل العراقية المختلفة "أيًّا تكن طبيعة السيناريوهات المطروحة لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة"، بحيث يكتسب العراق القدر الحيوي من المناعة في مواجهة الضغوطات الداخلية والخارجية. لأن بقاء العراق بدون حكومة وفاق وطني هو بمثابة الجسد الخالي من أي مناعة والمعرض لشتى أنواع الأمراض، لا سيما وأنه يعاني الآن من عضال العنف والطائفية، وإذا ما أراد العراقيون الغيورون على عراقهم والذين يماطلون ويقاتلون الآن على مصالح ضيقة على حساب وطنهم أن يهبوا لنجدته ويتخلصوا من طائفيتهم ومصالحهم الضيقة كبداية لتحصين هذا الجسد.
