كنت أصادفه بين الفينة والأخرى في طريقه إلى قسمه العلمي، أو خارجاً من قاعات المحاضرات ومتوجهاً إلى منزله، فيدور حوار قصير بيننا تملؤه الضحكات والقهقهات.

لم يدر في خلدي أن هذا الأستاذ المرموق، الذي ملأ الدنيا ضجيجاً، سيكون «ضيفاً» سرعان ما يغادرنا إلى الأبد. فعلامات العافية كانت بادية عليه، من خلال طلعته ونشاطه في الجامعة وفي المجتمع المدني، وعلى صدر صفحات جريدة «السياسة» الكويتية التي كان يكتب لها مقالاً يومياً.

وعلى غير المعتاد، لم أر الدكتور أحمد البغدادي في الرواق الذي كنا دائما نلتقي في جنباته، فقيل إن المرض اشتد عليه فنقل إلى لندن لسوء حالته وخطورتها. فأملنا خيراً، وبعد فراق عدة شهور رجع إلى الكويت، لكن حالته لم تكن قد تحسنت. وشاء القدر إلا ان نلتقي، إذ كانت حالته الصحية لا تسمح، ذلك أنه كان ينتقل من مستشفى إلى آخر.

ثم سمعنا أنه نقل إلى أبوظبي لكي يذهب منها للعلاج، إلى الولايات المتحدة الأميركية. غير أن يد المنون كانت أسرع، فتوفي في مستشفى الشيخ خليفة. وفي هذا المقام لا بد من بيان سبب ذهابه إلى أبوظبي.

أما سبب ذلك فهو، أن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ قد أمر بالتكفل بعلاجه في أرقى المستشفيات في الولايات المتحدة الأميركية، على نفقته الخاصة، إيماناً منه بدور المفكرين في نهضة شعوبهم. ولا يسعنا في هذا المقام إلا شكر سموه، وتمني طول العمر له مع موفور الصحة.

كان الدكتور أحمد البغدادي ـ رحمه الله ـ من المفكرين المتنورين الذين انخرطوا في أول شبابهم في الحركات الإسلامية، التي انطلقت بعد نكسة 1967، وكانت الكويت إحدى ساحات انطلاقتها الرئيسية.

وكان لتلك التجربة أثرها في حياته، إذ ظل ملتزماً بفروض الدين إلى آخر ساعات عمره، رغم ما رمي به من تهم باطلة أدخلته في العام 1999 إلى غياهب السجن، لكي يكون من أوائل سجناء الرأي في الكويت. ولولا العفو الأميري لربما ظل بقية حياته في غياهبه.

تجربة العمل مع التنظيمات الدينية من سلف وإخوان وغيرها، أكسبت البغدادي معرفة ودراية بأساليب عمل هذه الجماعات، تلك الأساليب التي تبتعد كثيراً عن المثل الروحية المطروحة والمتضمنة في تعاليم الإسلام الحنيف.

وفوق ذلك، فقد تخصص في النظرية الإسلامية في الحكم، كونه درس العلوم السياسية وأكمل دراساته العليا فيها. فكان ملماً بأساليب عمل الحركات الإسلامية (بحكم المعايشة) فضلاً عن نظرياتها، وذلك من خلال دراسته وتخصصه.

لذا، كانت كراهية الجماعات الدينية لشخص أحمد البغدادي كبيرة، وضيقهم بآرائه شديدا، ومحاربتهم له لا هوادة فيها. ومما زاد الطين بلة، مؤلفات البغدادي التي أخذ يكتبها عن تلك الجماعات، وانتقاده لأسلوب عملها، ولبعض طروحها التي لا تساير الزمن، خاصة تلك المتعلقة ب«الدولة الدينية».

حيث كان يدعو البغدادي بدلاً منها إلى قيام دولة مدنية، تأخذ بأسباب الحضارة الإنسانية وما حققته من تقدم على جميع الصعد، وبالذات على صعيد التشريعات، دون أن يعني ذلك تخلي المجتمع عن قيمه وعقيدته الإسلامية.

وقد قاده هذا الرأي إلى إعادة الاعتبار لمفهوم «العلمانية»، الذي تشوه بفعل الانتقادات اللاذعة وغير المنصفة له من قبل الحركات الإسلامية. وكان يلحظ مدى تقدم المجتمعات التي أخذت بهذا النظام، وسيادة السلام بين مواطنيها وتسامحهم الديني وتعايشهم، رغم اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية والفكرية.

في حين، ما زالت الشعوب والمجتمعات التي خلطت بين ما هو «ديني» وما هو «سياسي»، تشكو من الصراعات الدينية والحروب الطائفية.

وقد جاءت هذه الأفكار في عدة مؤلفات وضعها، لعل أبرزها: الإسلام الليبرالي، دراسات في فقه السياسة الشرعية، الدولة الإسلامية بين الواقع التاريخي والتنظير الفقهي، وتجديد الفكر الديني، دعوة لاستخدام العقل. وما زال المؤلف الأخير ممنوعاً من دخول الكويت.

شعر أبو أنور، رحمه الله، قبل فترة بدنو الأجل، فكتب وصيته ونشرها على صفحات «السياسة»، وحينها دب الحزن والكمد في قلوب طلابه ومريديه وأصدقائه ومحبيه، ثم زاد ذلك بمقالة مؤثرة لطلابه بعنوان: «طلبتي وداعاً»، تلمس فيها العذر من كل طلبته الذين ربما كان قد أساء إليهم دون قصد.

ولا شك أن رحيل الدكتور أحمد البغدادي خسارة لتيار التنوير العربي، وهو يأتي ضمن سلسلة من المفكرين العقلانيين، الذين بدأنا نفقدهم الواحد تلو الآخر، وكان آخرهم حامد نصر أبو زيد، ومحمد عابد الجابري، وفؤاد زكريا، وأحمد الربعي وغيرهم.

وعزاؤنا الوحيد أن هؤلاء قد تركوا الدنيا، بعد أن خلقوا تياراً عقلانياً متنوراً يشق طريقه في عقول شباب هذه الأمة، ليضع هؤلاء بسواعدهم أساساً لنهضة عربية، يكون رائدها العلم وسلاحها التسامح الديني.رحم الله زميلنا أحمد البغدادي، وألهم ذويه الصبر والسلوان، و«إنا لله وإنا إليه راجعون».

كاتب وأكاديمي كويتي

alyusefi@hotmail.com