ما هي الأسباب الحقيقية وراء الجفاف الثقافي في المجتمعات العربية؟ بالرغم من التطورات التي أصابت البنية، سواء من جانبها الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي. يحاول الكثير من الباحثين والمفكرين معرفة سبيل الخروج من هذه الحالة والأزمة.

إن تقلص الطبقة الوسطى، قد تم بصورة متعمدة تماماً، وبإصرار شديد، من قبل عدة جهات، وإن كان لكل منها أجندة خاصة بها. لقد انعزل العديد من الكتّاب عن المساهمة في النشر، وهي ظاهرة تستحق الدراسة، فمتطلبات الحياة المعيشية، جعلت الأغلب من هؤلاء يفكر في زيادة الدخل، عن طريق الانخراط في الأسواق المالية أو غيرها من النشاطات الاقتصادية.

كان الاعتقاد السائد أن الزيادة في عدد حاملي الشهادات العليا في كافة المجالات، قد يؤدي إلى الزيادة في مساهماتهم الفكرية، كما هو الحال في معظم دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن ذلك لم يحدث، بل على العكس تماماً، فالسنوات الماضية، وخاصة في الإمارات، أكدت خروج فئة المثقفين والمتعلمين من الساحة الثقافية.

ومن الملاحظات العامة، عدم الاهتمام بحضور الندوات والمؤتمرات إلا في اليوم الافتتاحي لهذه النشاطات. والأمل معقود في شهر رمضان، أن تعاد الحياة للثقافة من جديد.. هذا قد يكون حلماً من أحلام الماضي!

يؤكد العديد من الدراسات أهمية مؤسسات المجتمع المدني ودورها في التنمية، ولعل الغرب نموذج متقدم لذلك، ومن هنا، فأين دور الوزارات، سواء التربية أو الثقافة أو غيرهما، في التأكيد على ذلك؟

في العقد الأول من عمر الدولة الاتحادية، كان الحماس لدى المسؤولين واضحاً في عملية التوطين، لذلك كانت المؤسسات الاتحادية والمحلية تحاول بشتى الطرق استقطاب المواطنين، وخاصة من حملة الشهادات العليا وفي كافة المجالات، إلا أن ذلك الحماس بدأ يخف تدريجياً، وللأسف فإنه في الوقت الحالي تتم محاربة المواطنين من قبل المواطنين أنفسهم، وهذه قمة مأساة الإنسان والوطن. في الوقت نفسه نجد غيرهم يصارع من أجل توظيف أبناء جنسهم!

لقد ازدادت مشكلات الشباب بسبب الفراغ، والذي أدى إلى سلوكيات شاذة بين الجيل الذي سيكمل المسيرة في المستقبل. أليست حوادث الطرق، والتي يكون ضحاياها هؤلاء الشباب، نتيجة من نتائج هذا الفراغ والتهور؟

لقد غاب الطموح عن هؤلاء، بالرغم من بعض المحاولات للاستفادة منهم بشكل من الأشكال. قد تكون هذه الرؤية سوداوية، إلا أن ما يبرر ذلك هو الخوف من المستقبل. ومن هنا فإن على وسائل الإعلام التركيز على هؤلاء، والقيام بتسليط الضوء على من يعمل ويجتهد لخدمة الوطن، إضافة إلى تحسين أوضاعهم.

كان الحديث في السابق عن وجود ثلاثين ألف مواطن عاطل عن العمل، وظل ذلك هاجس الدولة، وحاولت حل المشكلة من خلال توظيف أولئك العاطلين، ولعل بعض البنوك الوطنية ساهمت بحل جزء بسيط من المشكلة، إلا أن من يقوم بزيارة إلى مؤسسات القطاع الخاص، سيصاب بصدمة حينما يتأكد أن نسبة العاملين من المواطنين ضئيلة جدا، بينما الأكثرية من جنسيات غير عربية، وتحديداً من القارة الآسيوية. إن المجتمعات الاستهلاكية لا تخلق جيلا يعمل، بقدر ما تخلق جيلاً يبحث عن أسهل الطرق لتحقيق احتياجاته.

هذه الوضعية قد تكون بؤرة لازدياد حركات التطرف، آخذين بعين الاعتبار أن غياب الوسطية بات واضحاً تماماً. فالحراك الاجتماعي بات غير ملموس، والتعليم أيضاً تراجع بشكل واضح.

إن النظر إلى أعداد المتقدمين للجامعات، وخاصة من الذكور، يعطي جرس إنذار مبكراً لخطورة الوضع التنموي، وفي دول هي بحاجة إلى كل الكوادر الوطنية، سواء من الذكور أو الإناث، والأدهى من ذلك تزايد أعداد العاطلين عن العمل، بالرغم من المؤهلات التي يحملونها.

أستاذ علم الاجتماع السياسي

almutawa_mohammed@hotmail.com