وسط سيناريو مروع ناجم عن الفيضانات المسعورة التي ضربت باكستان، احتفل الشعب الباكستاني في الرابع عشر من أغسطس الجاري بالذكرى الـ63 لاستقلاله عن الهيمنة والاستعمار الأجنبي ونيل حريته، وذلك بعهد متجدد بارتقاء دولته إلى ذروة التطور والازدهار وسط أجواء من السلام والرخاء، رغم التحديات الكثيرة والمتنوعة.
وبالطبع يجب أن نحتفل بهذه الذكرى التاريخية في هذا العام بطريقة متواضعة، نتيجة الخسائر الفادحة التي عرضت حياة الكثيرين للموت، وشردت أكثر من 15 مليون شخص، علاوة على إفراغها لسلة الخبز، نتيجة جرف الفيضانات لحقول القمح المزروعة.
ويواجه الشعب الباكستاني هذه التحديات الكارثية، الفريدة وغير المسبوقة، بعزم وتصميم راسخين. ورغم قلة المساعدات المتوفرة لمواجهة هذا البلاء، إلا أن معنويات الأهالي مرتفعة لأقصى حد، وهم متفائلون بعودة الأيام المجيدة إلى سابق عهدها، مما يجعل هذا الشعب جديرا بالثناء.
ويحتفل الشعب الباكستاني بعيد الاستقلال كل عام، بشكر الله سبحانه وتعالى على النعم التي أنعمها على عباده المسلمين في كل مكان. والهدية الفريدة التي منحنا إياها، هي الحرية المخضبة بعطر الورود والأزهار، والتي تنسمنا فيها أجواء الارتياح، دون إكراه أو هيمنة خارجية.
ويجب ألا ننسى، في خضم ذلك، القائد الملهم محمد علي جناح، الذي يعتبر من عظام القادة المسلمين، والذي حول حلم الحرية إلى حقيقة واقعة في غضون سنوات قليلة. ووسط تلك الأجواء تعهد جميع أبناء الشعب الباكستاني، بغض النظر عن العمر، الجنس، اللون، أو العقيدة، بأسلوب واضح لا لبس فيه، بأن يبذل كل واحد منهم جهده للذود عن الوطن كصخرة صلبة، وحماية سيادته وكرامته، والتضحية بالغالي والنفيس مهما عظم شأنه.
وفي الوقت نفسه، يكرم الشعب الباكستاني المخلصين من أبنائه البررة المسلمين، الذين نالوا الشهادة، خلال عملية النزوح من الهند والدول المجاورة إلى باكستان.
وبينما نبتهج بقطف ثمار الحرية، فإننا من الناحية البراغماتية لم نتمكن بعد من تحقيق الأهداف النبيلة، المتمثلة بالوحدة والإيمان والانضباط، وهذا يظهر أننا نفتقر إلى رمزنا العظيم من الثقة التي انعكست علينا في الماضي، بصورة رائعة، عبر مؤسس الدولة قبل أكثر من ستة عقود.
وبصورة مثيرة، ما زلنا منهمكين في مشاحناتنا الداخلية، الزائدة عن الحد، وتسيطر علينا الأنانية الشديدة والنرجسية، ونفتقر، بطريقة ما، للحنكة السياسية، وتواجه مؤسساتنا عوائق كثيرة تسد عليها منافذ ارتقائها. ونظرا للتقلبات السياسية، يتطلع الكثيرون منا، بغض النظر عن وضعهم ومكانتهم، للوصول إلى دهاليز السلطة، حتى مع تعريض المصالح القومية للخطر.
وغني عن القول أن كل فرد منا يدرك عواقب التخلي عن حكومته الديمقراطية، في سبيل دعم المعارضة. ولا يبدو الوقت ملائما للتخلي عن القيم التي شكلت منصة حريتنا من الإمبراطورية البريطانية. ونظرا للعقلية البائدة والروح العدوانية لبعض الدول المجاورة لباكستان، ورغم إرسالها رسائل الحب والإعجاب لنا، فإنها، في الواقع، لم تتقبل، أو تعترف من صميم قلبها، بإنشاء باكستان.
ورغم إبداء ارتياحها وسعادتها لتبادل الزيارات والبعثات الدبلوماسية معنا، إلا أنها في الوقت نفسه تتجنب عقد اجتماع على مستوى القمة لحل بعض القضايا العالقة، وعلى رأسها الصراع الدائر في كشمير، والذي هو أساس التوتر بين الجارتين النوويتين.
ومن خلال هذا الموقف، تعرضت باكستان لثلاث حروب مدمرة، لم تجلب للجانبين اللذين خاضاها سوى الكوارث والدمار. والوسيلة الوحيدة لصرف كل عين شريرة عنا، تكون من خلال وحدتنا وتضامننا مع بعضنا، ومواجهة التحديات بإرادة قوية وعزم راسخ.