من كان يعتقد أن فترة حكم بوش وصل فيها تطرف اليمين الأميركي لمداه، عليه أن ينتبه إلى أن هذا اليمين الذي قد يأتي للحكم من جديد عبر انتخابات الكونغرس التي ستجرى في نوفمبر، قد صار أكثر تطرفا من ذي قبل، حتى ان بوش وسياساته قد يبدو «بالمقارنة بهم وكأنه نيلسون مانديلا» كما قال مؤخرا الكاتب الأميركي فرانك ريتش!

وكنت طوال الأسابيع الماضية قد ألقيت الضوء على بعض ملامح ذلك التطرف، بدءا بالعنصرية الصريحة والمستترة التي ينطوي عليها خطاب الكثير من رموز الحزب الجمهوري وحركة حفل الشاي اليمينية، وهي العنصرية التي طالت الرئيس نفسه، وصولا إلى تطوير خطاب أكثر عدوانية ضد الإسلام والمسلمين، كما تجسد في كلمة غينغرتش التي سلط مقال الأسبوع الماضي الضوء عليها.

لكن هذا التطرف قد وصل لمداه في معاداة غير البيض، فضلا عن معاداة الأجانب. وذلك واحد من ملامح التطرف المعروفة على مدار التاريخ الأميركي كله، والتي أدت لمآسٍ كبرى في حق الكثير من الجماعات التي هاجرت إلى أميركا. غير أن الجديد في ما يحدث الآن، هو الدعوة لتعديل الدستور الأميركي لتطويعه لتلك المواقف المتطرفة.

فالجدل الدائر اليوم بخصوص موضوع الهجرة، هو أحد تجليات ذلك العداء الذي وصل لحد الفوبيا إزاء المهاجرين والأجانب، في بلد يفخر بأنه بلد المهاجرين. فمنذ شهور أصدر المجلس التشريعي لولاية أريزونا، قانونا ينص على أن من يضبط في أي مكان في الولاية وهو لا يحمل الوثائق التي تثبت موقفه القانوني من التواجد على الأرض الأميركية، يكون قد ارتكب «جريمة» يعاقب عليها القانون.

كما فرض القانون على شرطة الولاية أن تقوم بفحص الموقف القانوني هذا، لأي شخص يتم توقيفه لأي سبب في الولاية. كما أعطى القانون للشرطة الحق في توقيف أي شخص لديها «شكوك موضوعية» في أنه متواجد بشكل غير شرعي.

وتخيل معي عزيزي القارئ، أنك ذهبت لولاية أريزونا لحضور مؤتمر أو للسياحة بتأشيرة سليمة. ثم لسبب ما خرجت من الفندق ولم تتذكر أن تحمل معك جواز سفرك، فاستوقفك لسوء الحظ ضابط لأن ملامحك تبدو كملامح أهل أميركا اللاتينية، المستهدف الأول من ذلك القانون، ولأنه لم يجد معك أية وثائق، فقد ألقى القبض عليك وصرت وفق القانون «مجرما»، وصار لك بذلك «سجل إجرامي» منذ تلك اللحظة في الولايات المتحدة!

والحقيقة أن هذا السيناريو هو بالضبط ما جعل منظمات الحريات والحقوق المدنية تقاطع الولاية، وجعل إدارة أوباما تعارض القانون وترفعه للقضاء. وهو أيضا ما دعا ثماني دول في أميركا اللاتينية للانضمام لقضايا أخرى مرفوعة أمام المحاكم، ضد هذا القانون وقوانين مماثلة أصدرتها ولايات أخرى.

وقد حكمت فعلا في الموضوع محكمة فيدرالية أول درجة لصالح إدارة أوباما، وألغت البنود سالفة الذكر قائلة إن مثل تلك النصوص تعرض الأجانب الموجودين في أميركا بشكل قانوني، والمهاجرين الشرعيين، بل والمواطنين الأميركيين أنفسهم للملاحقة والمساءلة دون وجه حق. لكن القصة لم تنته بعد، فحاكمة ولاية أريزونا أعلنت أنها سوف تستأنف الحكم.

لكن المسألة لم تتوقف عند ذلك الحد. فهناك حملة تتصاعد يوميا، تهدف لحرمان من يولد على الأرض الأميركية من الحصول على الجنسية إلا إذا كان أحد أبويه يحملها، في مخالفة صريحة للدستور الأميركي ذاته. فوفق الدستور، فإن كل من يولد على الأرض الأميركية يحصل على الجنسية تلقائيا.

ويستثنى من ذلك فقط أبناء الدبلوماسيين الذين يمثلون بلادهم لدى الولايات المتحدة، وأبناء المتواجدين على أرض أميركا كقوة احتلال. لكن اليمين المتطرف يشن حاليا حملة ضخمة، مؤداها أن المهاجرين غير الشرعيين يتعمدون أن تلد الأم ابنها في أميركا، فيحصل فورا على الجنسية وتحصل الأم بالتالي على المزايا المادية والصحية التي يوفرها المجتمع الأميركي، ثم تبدأ بعد ذلك عملية جلب المزيد من الأقارب.. وهكذا.

والحقيقة أن تلك المقولات لا أساس لها من الصحة. فقانون الرفاهية الاجتماعية حين تم تعديله في 1996، حرم المهاجرين غير الشرعيين من أية مزايا.

أما قصة جلب الأقارب فهي كذبة أخرى، لأن قانون الهجرة الحالي لا يسمح لذلك «المولود» بأن يتقدم بطلب لحصول أحد أبويه على إقامة دائمة، إلا بعد أن يصل لسن الواحد والعشرين عاما. وحينئذ، إذا لم يستطع أن يثبت أن ذلك الأب أو الأم لم يمكث في أميركا أكثر من عام واحد بشكل غير قانوني، يكون على الوالد أن يعود لدولة المنشأ، ولا يسمح له بدخول أميركا إلا بعد 10 سنوات كاملة.

أخطر ما في الأمر أن أعضاء بارزين من الحزب الجمهوري في الكونغرس، صاروا يطالبون بتعديل الدستور الأميركي نفسه. فلأن حرمان المواليد من الحصول التلقائي على الجنسية مخالف للدستور، فالحل هو تغييره، على طريقة النظم السلطوية التي تطوع الدستور لخدمة أغراض النظام الحاكم. لذلك، فرغم أن تعديل الدستور مسألة بالغة الصعوبة في أميركا، تظل الفكرة نفسها ذات دلالة صارخة على استعداد اليمين حتى للتلاعب بالدستور.

لكن الدلالة الأكثر خطورة، أن تلك المادة من الدستور المراد تعديلها اليوم، لها دلالاتها التاريخية المهمة. فهي تم إقرارها كتعديل للدستور بعد الحرب الأهلية الأميركية، لوضع حد لحرمان السود من حقوقهم. والمفارقة التي لا تقل دلالة، أن الحزب الجمهوري الذي يسعى اليوم لتغيير تلك المادة، هو نفسه الحزب الذي طالما فاخر بأنها مرت في عهد لينكولن الجمهوري، وصار الحزب يستخدمها ليدافع عن نفسه، كلما اتهم بأنه صار بشكل متزايد حزب البيض الطارد للأقليات.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com